سيد حسين القصاب
شهد مجلس الشورى تبايناً لافتاً في الآراء بشأن الاقتراح بقانون لتجريم استخدام تقنيات «التزييف العميق»، بين توجه يدعو إلى التريث والاكتفاء بالنصوص القانونية القائمة، وآخر يؤكد ضرورة التدخل التشريعي الوقائي لمواجهة مخاطر محتملة قبل وقوعها.
وبينما رأت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني أن القوانين النافذة توفر حماية كافية، ولا تستدعي استحداث نص جديد في الوقت الراهن، شدد مقدمو الاقتراح على وجود فراغ تشريعي يستوجب المعالجة لمواكبة تسارع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي دفع المجلس في ختام المناقشات إلى إعادة المقترح إلى اللجنة لمزيد من الدراسة في ضوء هذا التباين.
وناقش مجلس الشورى، في جلسته أمس، تقرير لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بشأن الاقتراح بقانون بإضافة مادة جديدة برقم (10 مكرراً) إلى القانون رقم (60) لسنة 2014م بشأن جرائم تقنية المعلومات، في جلسة شهدت تبايناً واضحاً في الآراء بين اللجنة التي أوصت بعدم الموافقة، وبين أصحاب الاقتراح.
وأكد مقرر اللجنة علي العرادي أن الاقتراح بقانون حسبما ورد في مذكرته الإيضاحية يتضمن تجريم استخدام أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات في إنتاج أو تزييف مادة مرئية أو مسموعة ونشرها أو تداولها أو توزيعها، بما من شأنه أن يجعل الغير محلاً للازدراء أو العقاب، أو يمس سمعة العائلات، أو يُرتكب لغرض غير مشروع.
وأوضح العرادي أن اللجنة أوصت بعدم الموافقة على الاقتراح، استناداً إلى أن النصوص الجنائية النافذة توفر حماية كافية لاستيعاب الآثار الجنائية الناتجة عن إساءة استخدام تقنيات التزييف العميق، مبينًا أن قانون العقوبات إلى جانب المادة (23) من قانون جرائم تقنية المعلومات يستوعبان الأفعال المستهدفة، دون الحاجة إلى استحداث نص خاص.
وأشار إلى أن معالجة هذه الأفعال ينبغي أن تتم ضمن الإطار العام لقانون العقوبات، بما يضمن تجريم الفعل بحسب جوهره ونتيجته لا بحسب الوسيلة التقنية المستخدمة، مؤكداً أن التقنيات الخاصة بكشف التزييف العميق لا تزال في مراحل التطوير، وأن استحداث نص جنائي خاص قد يؤدي إلى إطالة إجراءات التحقيق وفتح نزاعات فنية معقدة أمام القضاء، فضلاً عن أن الطبيعة المتسارعة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي تستدعي التريث في سن نصوص خاصة في الوقت الراهن.
وبيّن رئيس اللجنة د. علي الرميحي أن موضوع الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من المجتمعات عالميًا، غير أن الجهات المعنية أكدت للجنة عدم تسجيل أي جريمة من هذا النوع في مملكة البحرين حتى الآن، لافتاً إلى أن وزارة الداخلية تبتعث مختصين لتبادل الخبرات في هذا المجال، وأن المجتمع الدولي لا يزال يواجه صعوبات في إثبات هذا النوع من الجرائم، الأمر الذي دفع اللجنة إلى التوصية بالتريث.
وفي المقابل، أكد عضو المجلس علي الشهابي، أحد مقدمي الاقتراح، أن المقترح مستوفٍ للشروط المنصوص عليها في اللائحة الداخلية، مشدداً على أن الفكرة تأتي في سياق سياسة تشريعية وقائية تهدف إلى تأطير الظاهرة قبل وقوعها، وأن عدم تسجيل حالات في البحرين لا يعني انتظار حدوثها للتحرك تشريعياً.
ورفض الشهابي الاكتفاء بنصوص قانون العقوبات، مستشهداً بقانون جرائم تقنية المعلومات الذي نص صراحة على تجريم الاحتيال عبر تقنية المعلومات لخصوصية السلوك، معتبراً أن التزييف العميق سلوك لا يتحقق إلا عبر أدوات تقنية متقدمة لا تغطيها النصوص العامة بصورة كافية، كما استشهد بقضايا وقعت خارج البحرين استخدمت فيها تقنيات تغيير الصوت والذكاء الاصطناعي في عمليات احتيال بمبالغ ضخمة.
بدوره، أكد النائب الأول لرئيس المجلس جمال فخرو وهو أحد مقدمي الاقتراح أن مذكرة هيئة المستشارين القانونيين أشارت إلى وجود حاجة تشريعية لسد فراغ قانوني، وأن الاقتراح لا يتضمن شبهة عدم دستورية، معتبراً أن التطور التقني المتسارع يوجب إصدار تشريع وقائي يحمي المجتمع من مخاطر التزييف العميق وسوء استخدام التكنولوجيا.
وأوضح د. محمد علي حسن أن الهدف من المادة المقترحة هو معاقبة من ينتج أو ينشر مواد مزيفة عبر تقنيات التزييف العميق، مبيناً أن الجريمة المشار إليها مركبة، ولم يسبق تنظيمها بنص خاص، وأن التريث في إقرار المادة قد يفقد البحرين سبقها في التشريعات المتقدمة في مجال تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي.
من جهته، أكدت دلال الزايد وهي أحد مقدمي الاقتراح أن الأثر المترتب على إساءة استخدام تقنيات التزييف العميق يمس الأشخاص وسمعة العائلات، وقد يُستخدم في الابتزاز، مشددة على أن وجود نص صريح يكفل عدم الإفلات من العقوبة، ويعزز أدوات الملاحقة، لا سيما في ظل الحاجة إلى تعاون إقليمي ودولي في هذا المجال.
بدوره، أشار د. عبدالعزيز أبل إلى أن العالم يشهد ما وصفه بـ»انفجار تقني» قد يساء استخدامه، معتبراً أن النص المقترح يمثل رادعاً مسبقاً لمن يفكر في تزييف أو تزوير المواد المرئية والمسموعة، وأن إحالته للحكومة لمزيد من الدراسة يعزز المنظومة التشريعية.
واختُتمت المناقشات بطلب مقرر اللجنة علي العرادي سحب التقرير وإعادته إلى اللجنة لمزيد من الدراسة في ضوء ما طُرح من آراء، حيث صوّت المجلس بالموافقة على الإرجاع، ليُعاد الاقتراح بقانون إلى اللجنة تمهيداً لعرضه مجدداً على المجلس.
