لم يكن في بالي أن أكتب عن الإنفاق، ولا عن المشتريات، ولا عن ازدحام المعارض، لكن المشهد الذي رأيته في معرض المجوهرات كان أكبر من أن يمر مرور الكرام. دخلت القاعة الواسعة وسط ازدحام الزوّار وروائح العطور الفاخرة التي تختلط بالأضواء المنعكسة على الألماس. كنت أمشي بهدوء بين الأجنحة، أتأمل التصاميم المعروضة خلف الزجاج، وأعتقد أن أغلب الناس ستكتفي بالمشاهدة أو السؤال.. لكن ما رأيته كان قصة أخرى تماماً.
كانت النساء يتحركن بثقة، يحملن أكياساً لامعة فيها أطقم ثقيلة، ليست مجرد خواتم عابرة. بعضهن يجربن القطع بابتسامة كاملة، وأخريات يناقشن الأسعار ويخترن ما يناسبهن بلا تردد، وكأنهن جئن لإغلاق حسابات مع الرغبات المؤجلة منذ زمن. شعرت للحظة أن كل ما نقرأه آخر الشهر عن ضيق الحال، وعن الرواتب التي لا تكفي، وعن الالتزامات الثقيلة اختفى عند بوابة المعرض، وكأن الذهب لديه قدرة سحرية على تعطيل الذاكرة المالية.
وبين خطوة وأخرى، رأيت سيدات محمّلات بأكثر من كيس، يتهامسن بحماس عن التصميم الجديد والعرض الخاص، بينما كانت طفلة صغيرة تمسك بيد والدتها وتسألها ببراءة: «ماما، نشتري هذا بعد؟».
ضحكت في داخلي.. ليس على المشهد، بل على التناقض الذي نعيشه جميعاً؛ ففي الصباح نشتكي من المصاريف، وفي المساء نكتشف أننا نملك قدرة شراء كاملة عندما نتعلق بشيء نريده. هذا ليس نقداً، بل هو وصف لحقيقة بشرية بسيطة: نحن نملك مهارة غريبة في الجمع بين الشكوى والإنفاق في الوقت نفسه.
الفكرة ليست في الراتب، ولا في الوضع الاقتصادي، ولا حتى في الأسعار. الفكرة في طريقة التعامل مع المال.. في الأولويات التي نضعها بحسب مزاج اليوم لا بحسب احتياجات الشهر. نحن شعب يحب الحياة، ويحب التفاصيل الجميلة، ويعطي قيمة كبيرة للهدايا والذهب والاقتناءات النفيسة. لذلك، حين يجد عرضاً جيداً أو قطعة تعجبه، يتخذ قراره بسرعة قبل أن يسمع حتى صوت «الراتب ما يكفي».
واللافت أن موسم المعارض هذا العام جاء متزامنًا مع الجمعة البيضاء في المجمعات. عروض في كل مكان، تخفيضات على كل شيء، وإعلانات تلاحقك من شاشة إلى أخرى. وهنا تكتمل الحكاية: معارض مزدحمة، أكياس تتنقل بين الأيدي، وعروض تستفز رغبة الشراء عند الجميع. وفي النهاية، يعود البعض إلى منازلهم ليكتبوا منشوراً عن صعوبة المصاريف وكأنهم لم يكونوا قبل ساعات يوقعون الفواتير بابتسامة راضية.
وبصراحة، ما رأيته جعلني أؤمن أن المشكلة ليست في المال.. بل في إدارة المال. ليست في الدخل.. بل في ترتيب الأولويات. نحن لا نعاني دائمًا من ضيق مالي حقيقي، بل من إنفاق عاطفي، ومن تغيّر سريع في الرغبات، ومن عادة قديمة تقول: «خل نعيش اليوم.. وبعدين ربّك يحلها». وقد تكون هذه الفلسفة جميلة أحيانًا، لكنها في نهاية الشهر تتحول إلى سبب رئيسي للشكوى والضيق.
ورغم ذلك، لا يمكنني إلا أن أبتسم وأنا أكتب هذه السطور؛ لأن هذا التناقض هو جزء من طبيعتنا.. جزء من خفة الدم البحرينية التي تعرف كيف تصنع لنفسها لحظة سعادة، حتى لو كان ذلك على حساب نهاية الشهر. وفي النهاية، لا أحد ينكر أن بعض الأشياء مثل قطعة ذهب تُفرح القلب لها قيمة نفسية لا تُقاس بالراتب، ولا بالمصاريف، ولا بحساب البنك.
وبصراحة.. ما بين لمعان الذهب وضجيج العروض وازدحام الأكياس، لم يعد السؤال: «هل نملك المال؟» بل أصبح: «هل نملك الوعي الذي يجعل المال يبقى؟».
فالراتب ليس خصماً لنا.. بل نحن الذين نُهدره حين نخلط بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري واللامع. وفي النهاية، لا ينهك الجيوب ما ندفعه.. بل ما نرفض أن نتعلمه.
