سماهر سيف اليزل
المشروع حسّن كفاءة الطاقة ٪28 وخفّض انبعاثات أكاسيد الكبريت ٪50
المشروع أسهم بتقليل استخدام مياه البحر لكل برميل بنسبة ٪50
أكد مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»، أن مشروع تحديث مصفاة بابكو يُعدّ أحد أكبر مشاريع التوسعة الصناعية في تاريخ البحرين، ويمثل تحولاً نوعياً في قطاع الطاقة من حيث رفع الطاقة التكريرية من 267 ألف برميل يومياً إلى نحو 405 آلاف برميل يومياً، بنسبة زيادة 52%، متوقعاً توجيه نحو 85% من إنتاج المصفاة للتصدير.
جاء ذلك، خلال حوار فكري موسّع بعنوان «رؤى تحليلية حول مشروع تحديث مصفاة بابكو للتكرير» نظمه «دراسات»، استناداً إلى الدراسة التحليلية التي أصدرها مؤخراً، والتي وثّقت التحول الهيكلي العميق الذي أحدثه المشروع في قطاع التكرير والطاقة في البحرين، وانعكاساته الاقتصادية والصناعية والبيئية على المستويين الوطني والإقليمي.
وشارك في الحوار، نائب الرئيس التنفيذي للخدمات الفنية والشؤون الهندسية ورئيس مشروع تحديث المصفاة بالوكالة في شركة بابكو للتكرير سيد محمود المعتوق، لجانب نخبة من المتخصصين والباحثين، ومعدّي الدراسة، وهم مدير برنامج دراسات الطاقة والبيئة في «دراسات» د. عبدالله العباسي، والمحلل المساعد سبيكة إسماعيل، ورئيس قسم الهندسة الكيميائية في جامعة البحرين الأستاذ المشارك د. محمد بن شمس، وبحضور عدد من الشخصيات الوطنية المعنية بملف الطاقة والتنمية المستدامة، ضمن نقاش ركّز على قراءة نتائج الدراسة وتحليل مضامينها الاستراتيجية.
وتركّزت مداولات الحوار على ما خلصت إليه الدراسة من أن مشروع تحديث مصفاة بابكو لم يكن توسعة فنية تقليدية، بل نقلة نوعية أعادت تعريف دور البحرين في مشهد الطاقة الإقليمي، من خلال بناء منظومة تكرير متقدمة تتوافق مع أعلى المعايير العالمية في كفاءة التشغيل، وجودة المنتجات، والالتزام البيئي، الأمر الذي وضع الشركة في موقع متقدم بين المصافي الحديثة في المنطقة.
ويأتي تنظيم هذا الحوار، في إطار حرص «دراسات» على فتح نقاشات معمّقة حول مخرجاته البحثية، وتحويلها إلى منصات تفاعلية تسهم في إبراز التجارب الوطنية الناجحة، وتعزز فهم أبعادها الاستراتيجية، بما يدعم تطوير سياسات طاقة واقعية تستند إلى الإنجاز، وترسّخ موقع مملكة البحرين كلاعب فاعل في مشهد الطاقة الإقليمي.
مخرجات اقتصادية وبيئية نوعية
وخلال الحوار، تم استعراض الرؤى التحليلية التي تناولتها الدراسة، حيث أكد «دراسات» أن مشروع تحديث مصفاة بابكو يُعد أحد أكبر مشاريع التوسعة الصناعية في تاريخ البحرين، ويمثل تحولاً في قطاع الطاقة من حيث رفع الطاقة التكريرية إلى نحو 405 آلاف برميل يومياً، وتعظيم القيمة الاقتصادية، وتعزيز الاستدامة البيئية، بما ينسجم مع أهداف رؤية البحرين الاقتصادية 2030.
وأوضح العرض أن المشروع شمل استبدال أقدم الوحدات التشغيلية بتقنيات حديثة وأكثر كفاءة، إلى جانب إعادة تهيئة وحدات المصفاة لإنتاج منتجات أعلى قيمة، ما أسهم في رفع الطاقة التكريرية من 267 ألف برميل يومياً إلى نحو 405 آلاف برميل يومياً، بنسبة زيادة بلغت 52%، إضافة إلى تطوير مرافق الخزانات، ورصيف سترة، وخطوط الأنابيب الناقلة.
وبيّن أن المشروع أسهم في تحسين كفاءة الطاقة بنسبة 28%، ورفع المرونة التشغيلية، وتعزيز قدرة المصفاة على التكيّف مع تقلبات الأسواق العالمية، فضلاً عن تحسين الأداء التشغيلي وسلاسل الإمداد، بما انعكس إيجابًا على معدلات الربحية والميزة اللوجستية للمملكة.
وفي الجانب البيئي، أشار العرض إلى التزام المشروع بمعايير بيئية أكثر صرامة، حيث أسهم في خفض انبعاثات أكاسيد الكبريت بنسبة 50%، وتقليل استخدام مياه البحر لكل برميل بنسبة 50%، إضافة إلى خفض تصريف مياه الصرف المعالجة بنسبة 9%، بما يعزز توجه البحرين نحو الاستدامة والانتقال الطاقي.
وتوقع «دراسات» توجيه نحو 85% من إنتاج المصفاة للتصدير، مع تسجيل نمو متوقع في الإيرادات، ودعم مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة إنتاج المنتجات عالية القيمة مقابل خفض إنتاج المنتجات منخفضة القيمة، الأمر الذي يعزز تنافسية المنتجات البحرينية في الأسواق العالمية.
كما تناول العرض، أهمية التكامل بين مصافي النفط والصناعات البتروكيماوية باعتباره المرحلة الاستراتيجية التالية بعد نجاح مشروع التحديث، من خلال استغلال الزيادة في إنتاج مادة النافثا كقيم بتروكيميائي أساسي، وتعظيم القيمة من كل برميل نفط بدل الاكتفاء بإنتاج الوقود فقط.
وأوضح أن هذا التوجه ينسجم مع الدوافع الاستراتيجية للبحرين، حيث تُعد البتروكيماويات محرك النمو المستقبلي للطلب على النفط، وتتميز هوامش المركبات العطرية بكونها أعلى وأكثر استدامة، فضلًا عن استقرار أسعار البتروكيماويات مقارنة بتقلبات أسعار النفط الخام، ما يرفع ربحية المصفاة، ويقلل المخاطر التشغيلية.
وتطرّق العرض، إلى تجارب دول مجلس التعاون الخليجي في هذا المجال، مشيراً إلى توجه إقليمي واضح نحو التكامل بين التكرير والبتروكيماويات، من خلال مشاريع كبرى مثل تكامل مصفاة الزور، وتحديث مصفاة الرويس، وتكامل مصفاة صحار ومجمع لوى، إضافة إلى مشاريع بترو رابغ، وساتورب، وصدارة للكيميائيات، والتي أسهمت في تعظيم العائد من كل برميل نفط، وتنويع القاعدة الاقتصادية، وترسيخ المكانة العالمية لدول الخليج كمراكز تنافسية للبتروكيماويات.
العباسي: أكبر مشروع صناعي في تاريخ البحرين
وقال مدير برنامج دراسات الطاقة والبيئة في «دراسات» د. عبدالله العباسي: إن «المركز نظم هذه الندوة الحوارية لتسليط الضوء على مشروع مصفاة بابكو الحديثة، الذي دشّنه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم»، مؤكداً أنه أكبر مشروع صناعي في تاريخ البحرين من حيث الحجم الاستثماري والأثر الاقتصادي.
وأوضح أن الندوة استعرضت الدراسة التحليلية الصادرة عن المركز، والتي سلطت الضوء على هذا الإنجاز الوطني الكبير، وما تحقق من نجاحات لافتة رغم الظروف الاستثنائية التي رافقت تنفيذ المشروع، وفي مقدمتها جائحة فيروس كورونا، مؤكداً أن المشروع يُعد نموذجاً بحرينياً خالصاً جسّد كفاءة الكوادر الوطنية وقدرتها على تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى وفق أعلى المعايير العالمية.
وتطرقت الندوة إلى مستقبل المشروع، حيث أكد العباسي أن مصفاة بابكو الحديثة لا تمثل نهاية المطاف، بل تشكّل منصة استراتيجية للمستقبل، من خلال ما وفرته من بنية تحتية متطورة تسهم في دعم القطاعات الصناعية الأخرى، وفي مقدمتها قطاع البتروكيماويات، الذي يُعد من القطاعات الواعدة ذات القيمة المضافة العالية للاقتصاد الوطني.
كما أبرزت الدراسة أهمية دمج ريادة الأعمال مع البنية التحتية الصناعية التي أتاحها المشروع، بما يسهم في خلق فرص جديدة للشباب البحريني، وتعزيز الابتكار، وتوسيع قاعدة الاقتصاد الوطني، مؤكدًا ضرورة تكامل الجهود الوطنية بين مختلف الجهات المعنية، والعمل على تطوير رؤية استراتيجية شاملة تُدار فيها القطاعات الاقتصادية بشكل متوازن ومتكامل.
وأشار العباسي إلى أن حجم التكنولوجيا المتقدمة المستخدمة في المصفاة يستدعي اهتماماً أكبر بالجانب التعليمي والتأهيلي، والاستثمار في تنمية الكفاءات الوطنية، بما يضمن استدامة المشروع وتعظيم عوائده على المدى الطويل.
كما أسهم المشروع في توظيف أعداد كبيرة من الكوادر الوطنية، ما يعزز الاستدامة الاجتماعية، ويوفر فرص عمل نوعية، ويدعم حضور البحرين في المشهد الاقتصادي والطاقة إقليمياً ودولياً.
وأوضح أن تسليط الضوء على هذا المشروع يأتي ضمن دوره في دعم الجهود الوطنية، وتعزيز الوعي بأهمية المشاريع الاستراتيجية، ودفع عجلة التنمية الشاملة.
وبيّن أنه، وبالتوازي مع توثيق تجربة تنفيذ المشروع، تم العمل مع الفرق المشاركة في الإنجاز على استخلاص الدروس المستفادة، بما يسهم في تطوير منهجيات العمل في المشاريع الاستراتيجية المستقبلية، مع التركيز على استشراف الفرص الواعدة التي يتيحها المشروع.
سبيكة إسماعيل: دراسة وطنية بعمق بحثي
من جهتها، قالت سبيكة إسماعيل، محلل الأبحاث في «دراسات» إن «مشروع تحديث المصفاة يُعد مرحلة مفصلية في قطاع الطاقة الوطني، لما يمثله من نقلة نوعية تسهم في زيادة الأرباح وتعظيم نفع الاقتصاد الوطني، إلى جانب تعزيز مفاهيم الاستدامة، والارتقاء بمفاهيم العدالة المناخية والعدالة الطاقوية داخل المجتمع البحريني».
وأوضحت أن إعداد هذه الدراسة جاء انطلاقاً من الدور الوطني والبحثي الذي يضطلع به المركز، والمتمثل في تسليط الضوء على أبرز المشاريع الاستراتيجية في البحرين، وتحليل آثارها الاقتصادية والتنموية، ولاسيما مشروع تحديث المصفاة الذي تم تنفيذه في ظروف استثنائية صعبة خلال فترة جائحة كورونا.
وأضافت إسماعيل، أن المركز حرص من خلال الدراسة على توثيق الإنجازات المحققة، واستخلاص الدروس المستفادة، إلى جانب تقديم رؤى استشرافية حول مستقبل المشروع، وكيفية البناء عليه لتطوير التطلعات المستقبلية، بما يعزز التكامل بين القطاعات البحثية والأكاديمية والصناعية والحكومية.
وبيّنت أن الدراسات الة بالمشاريع الوطنية الكبرى تستغرق في المتوسط ما بين 9 إلى 7 أشهر، نظراً لما تتطلبه من دقة وموضوعية وتنسيق موسّع مع مختلف أصحاب المصلحة، مؤكدة أن المركز يحرص على أن تستند مخرجاته البحثية إلى معلومات موثوقة بالتنسيق مع الجهات الحكومية والقطاع الصناعي والمؤسسات الأكاديمية.
المعتوق: مشروع استثماري طويل الأمد
وفي السياق ذاته، أكد نائب الرئيس للخدمات التقنية والهندسية في بابكو سيد محمود المعتوق، أن الندوة الحوارية تأتي لأهميتها في تقديم صورة شاملة عن المشروع، وتسليط الضوء على الإنجازات التي تحققت، ودوره المحوري في دعم نهضة مملكة البحرين وتعزيز مسار التنمية الاقتصادية.
وأوضح أن المشروع ينسجم بشكل مباشر مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030، لا سيما في جانب تعزيز التكامل الاقتصادي، مشيراً إلى أن مشروع التوسعة يمثل الأساس الذي تم تأسيسه داخل المصفاة للانطلاق نحو مشاريع صناعية وتحويلية مستقبلية.
وأضاف أن الطاقة الإنتاجية للمصفاة ارتفعت، ما جعلها مصفاة كبيرة ذات قدرة تنافسية عالية على المستوى العالمي، وقادرة على دعم التوجه نحو صناعات تحويلية مستقبلية.
وأشار إلى أن الاستدامة شكّلت محوراً أساسياً في المشروع، حيث أسهم استخدام التقنيات الحديثة في خفض الانبعاثات والبصمة الكربونية بنسبة تقارب 50%، إلى جانب الاهتمام بالبعد البشري والاجتماعي من خلال التوظيف والتدريب والتأهيل.
بن شمس: التعليم الهندسي شريك رئيسي
من جانبه، قال رئيس قسم الهندسة الكيميائية في جامعة البحرين د. محمد بن شمس: إن «مشاركته في الحوار ركزت على دور التعليم الهندسي والبحث العلمي في دعم المشاريع الوطنية الكبرى، وبالأخص في صناعة التكرير».
وأوضح أن النقاش تناول أهمية ربط البحث العلمي بالاستراتيجية الوطنية، ودور الجامعات الوطنية في دعم هذه المشاريع، لافتاً إلى أن المهندس اليوم يحتاج إلى مهارات تتجاوز الأساسيات الهندسية، لتشمل تحليل البيانات، وفهم اقتصاديات الصناعة، ومفاهيم الاستدامة، بما يمكنه من الإسهام الفاعل في المشاريع الكبرى وفق أعلى المعايير المهنية.
