سيد حسين القصاب

فقدت مملكة البحرين أمس الأول أحد أعلامها البارزين في مجال الحرف التقليدية والتراثية، بوفاة السيد عبدالقادر أحمد، أقدم ناقشي الزري في البحرين والخليج العربي، والذي شكّل برحيله خسارة كبيرة لذاكرة الحرفة الأصيلة ولأحد أبرز رموز الإبداع اليدوي ال بالهوية البحرينية والخليجية.

وقد امتدت مسيرته لعقود طويلة أسهم خلالها في حفظ فنون الزري والنشل وتطويرها، لتظل حاضرة في المناسبات الرسمية والاجتماعية الكبرى.

مسيرة حافلة بخياطة وتطريز الزري

عُرف الفقيد بمهارته العالية في خياطة وتطريز أرقى أنواع الزري والتور، وإتقانه لصناعة أثواب النشل والبخنق والمفحج والكوارر والدراعة والبشت، إلى جانب تطريز مختلف أنواع الزري بأساليب يدوية دقيقة تعكس خبرة تراكمت عبر السنين.

وتمكّن السيد عبدالقادر أحمد من الجمع بين الأصالة والدقة الفنية، ما جعله مرجعاً في هذا المجال وأحد أقدم وأبرز ناقشي الزري في المنطقة.

ثوب النشل… رمز الأصالة والهوية

يُعد ثوب النشل من أبرز الأزياء النسائية التقليدية في البحرين، ويحمل رمزية ثقافية واجتماعية عميقة، حيث ارتبط بالجلوات والأفراح والمناسبات الكبرى، وجسّد عبر تطريزه الذهبي حكاية التراث البحريني وأصالته.

وقد كان للسيد عبدالقادر أحمد دور محوري في الحفاظ على هذا الإرث، من خلال تصاميمه التي مزجت بين فخامة الزري ودقة النقش اليدوي، ليظل النشل حاضراً كأيقونة للهوية الوطنية.

تصاميم خالدة بالذاكرة الوطنية

تميّز الفقيد بتصميم وتنفيذ أفخم وأهم أثواب النشل لكبار العوائل الكريمة في مملكة البحرين والخليج العربي، حيث يُعد أحد أقدم أثواب النشل التي صممها قبل أكثر من 55 عاماً شاهداً على براعته، حيث لا يزال هذا الثوب محتفظاً برونقه وفخامته، وهو معروض حالياً في متحف البحرين الوطني كقطعة تراثية توثق مرحلة مهمة من تاريخ الأزياء التقليدية.

حضور لافت بالمحافل الدولية

امتدت بصمة السيد عبدالقادر أحمد إلى المحافل الرسمية، حيث كان من بين أبرز أعماله ثوب النشل المُهدى للأميرة ديانا خلال زيارتها إلى مملكة البحرين عام 1986، إلى جانب تصميمه وتنفيذه للأثواب التي ارتدتها الفتيات المشاركات في الأوبريتات الوطنية.

كما صمّم ونفّذ ثوباً خاصاً لابنة الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه والذي عُدّ أكبر ثوب وأكثرها زخرفة بالزري، واستغرق العمل عليه مدة أربعة أشهر متواصلة.

حضور بالمشهد الثقافي والسياحي

وبرزت أعمال السيد عبدالقادر أحمد ضمن الفعاليات التراثية والثقافية، حيث كان لها حضور لافت في “ليالي المحرق”، التي تُعد إحدى أبرز المنصات المعنية بإحياء التراث البحريني وتسليط الضوء على الحرف التقليدية.

وأسهمت مشاركة أعماله في هذه الفعاليات في إبراز القيمة الفنية والتاريخية لفنون الزري والنشل، وتأكيد دور الحرفي البحريني في المشهد الثقافي، بوصفه حارساً للأصالة وركناً أساسي من هوية المجتمع.

تنوع فني ونقوش متقنة

تميّزت أعماله بتنوع النقوش والتطريزات، من بينها نقشة البيذانه المطوّرة، وثوب مفرخ مطرّز بالزري الفرنسي، إلى جانب أثواب منبط بنقشة مبتكرة، ومطرزة يدوياً بالزري الفرنسي الفضي وخيط البريسم الأحمر.

كما أبدع في تنفيذ نقشة البيذانه على أثواب نشل مطرّزة بالزري الياباني والفولك، في دلالة على سعة خبرته وقدرته على توظيف خامات وأساليب متعددة مع الحفاظ على روح التراث.

إرث باقٍ رغم الرحيل

برحيل السيد عبدالقادر أحمد، تفقد البحرين والخليج قامة حرفية تركت إرثاً فنياً وإنسانياً سيظل حاضراً في المتاحف والذاكرة الشعبية، وفي كل ثوب نشل يروي حكاية أصالة وهوية.

ويجسد عطاؤه نموذجاً مشرفاً للحرفي البحريني الذي أسهم في حفظ التراث ونقله للأجيال، مؤكداً أن الزري والنشل ليسا مجرد حرفة، بل تاريخ يُطرّز بالخيط والذهب.

شاركها.