يأتي شهر رمضان كل عام ليغسل الأحزان والهموم، ويحمل فرصة حقيقية لمراجعة النفس وترتيب الأولويات. فهو شهر عبادة وصيام وقيام، شهر تتضاعف فيه الحسنات وتصفو فيه القلوب. غير أن المشهد في كثير من البيوت يتبدل مع اقترابه؛ فبدلاً من الاستعداد الروحي، ينشغل البعض بقوائم مشتريات طويلة، وعروض استهلاكية، ومائدة تتسع يوماً بعد يوم، حتى يتحول الشهر عند البعض إلى موسم. إنفاق لا يعرف الاعتدال. المفارقة أن رمضان، الذي شُرع فيه الصيام لتهذيب النفس وتعليمها الصبر، أصبح عند بعض الأسر شهراً لزيادة الاستهلاك الغذائي، وارتفاع المصروفات، وربما الوقوع في ديون تثقل كاهل الأسرة بعد العيد. بينما الأصل أن الصيام يدرب الإنسان على التقليل، لا التكثير، وعلى ضبط الرغبات لا إطلاقها. الاعتدال في الإنفاق ليس فقط سلوكاً اقتصادياً رشيداً، بل هو قيمة دينية وأخلاقية. يقول الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا»، وهي قاعدة جامعة تصلح لكل زمان. فالمبالغة في إعداد الطعام، وإهدار الفائض، والتسابق في المظاهر، كلها ممارسات تفرغ الشهر من روحه، وتحوّل العبادة إلى عبء مالي ونفسي.
ومن أهم خطوات ترشيد الإنفاق في رمضان: إعداد ميزانية رمضانية مسبقة، وتحديد إجمالي المبلغ المتاح للإنفاق خلال الشهر.
وتقسيمه إلى بنود: طعام، صدقات، زيارات، ملابس العيد. وتجنب الشراء العشوائي أو اليومي دون خطة.
أيضاً إعداد قائمة احتياجات حقيقية وشراء الأساسيات فقط وتجنب تخزين كميات مبالغ فيها من السلع، والاستفادة من العروض بحكمة دون شراء ما لا نحتاجه. كذلك تقليل الهدر الغذائي من خلال تخطيط وجبات أسبوعية، وطهي كميات مناسبة لعدد أفراد الأسرة. وإعادة توظيف بقايا الطعام بطرق مبتكرة.
ومن المهم تخصيص بند للصدقة فرمضان شهر العطاء، ومن الجميل أن نضع بنداً ثابتاً للصدقات ولو بسيطاً، فالقيمة ليست في الكثرة بل في الاستمرارية.
والسؤال كيف نزور الأهل دون إرهاق الميزانية؟
إن الزيارات الرمضانية من أجمل ما يميز الشهر، فهي تعزز صلة الرحم وتقوي الروابط الاجتماعية. لكن يمكن تنظيمها دون أن تتحول إلى عبء مالي من خلال التناوب في الاستضافة، وتبسيط الضيافة، وتنظيم لقاءات جماعية، والتركيز على المعنى لا المظاهر.
رمضان ليس اختباراً لقدرتنا على الشراء، بل فرصة لاختبار قدرتنا على التحكم، في شهواتنا ورغباتنا وعاداتنا الاستهلاكية. فلنستقبله بقلوب هادئة وميزانية متزنة، حتى يخرج من بيوتنا وقد ترك فينا أثراً إيمانياً لا فاتورة ثقيلة.
