رمضان شهر الخير والبركات، عمّت أنواره جميع الكائنات، وملأتْ نفحاته العَبِقة الأرض والسماوات، وتنزَّلت بحلوله البركات، وانهالت لمَقْدمه الرَّحمات، فمرحباً بخير الشهور، مرحباً بمقدم الضيف الحبيب، كنْز المتقين، وفُرْصة التائبين من رب العالمين.
أطلَّ علينا سيّد الشهور، وأفضلها على مر العصور، شهر خصَّه الله بخصائص عظيمة، ومزايا جليلة، لو تكلمنا عن بعض فضائله، ما وسعنا الزمان في ذكْر محاسنه، يقول الله تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ”.
شهرٌ جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً وفضيلة، تُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُصفَّد فيه الشياطين، الأعمال فيه مباركة، والأجور فيه مضاعفة، فهو موسمٌ من أعظم المواسم الربَّانية،
فيا سعادة من مدَّ الله له في الأجَل، ومتَّعَه بنعيم الصحة، ليغنم بمغفرة الله ورضوانه، والعِتْق من نيرانه.
روي أنَّ رَجُلَينِ قَدِما على رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامُهما جَميعًا، وكان أحَدُهما أشَدَّ اجتِهادًا مِن صاحِبِه، فغَزا المُجتَهِدُ منهما، فاستُشهِدَ، ثم مَكَثَ الآخَرُ بَعدَه سَنةً، ثم تُوُفِّيَ، قال طَلحةُ: فرأيتُ فيما يَرى النَّائِمُ كأنِّي عِندَ بابِ الجَنَّةِ إذا أنا بهما وقد خرَجَ خارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فأذِنَ للذي تُوُفِّيَ الآخِرَ منهما، ثم خَرَجَ فأذِنَ للذي استُشهِدَ، ثم رَجَعا إليَّ فقالا لي: ارجِعْ؛ فإنَّه لم يَأْنِ لكَ بَعدُ. فأصبَحَ طَلحةُ يُحدِّثُ به الناسَ، فعَجِبوا لذلك، فبلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: “مِن أيِّ ذلك تَعجَبونَ؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هذا كان أشَدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِدَ في سَبيلِ اللهِ، ودخَلَ هذا الجَنَّةَ قَبلَه. فقال: أليس قد مَكَثَ هذا بَعدَه سَنةً؟ قالوا: بلى. وأدرَكَ رَمَضانَ فصامَه؟ قالوا: بلى. وصلَّى كذا وكذا سَجدةً في السَّنةِ؟ قالوا: بلى. قال رَسولُ اللهِ : فلَمَا بَينَهما أبعَدُ ما بَينَ السَّماءِ والأرضِ”.
فحقيق بمن استقبل رمضان وهو في نعمة الله، أنْ يشكر هذا النعمة بأداء حقّها، وأن يستغلَّ هذه الأيام المباركة بما يُرْضِى المولى عزَّ وجلَّ عنه، ولنتعرض لنَفَحات الله تعالى في هذا الشهر الكريم، ولنعقدّ العزْم من أول يوم من أيامه أنْ نكون إلى الله أقرب وعن النار أبْعد، لكي لا نُضيِّع فرصاً قد أتتْ، فلعلَّنا لا ندرك رمضان، ولعَلّ رمضان يأتي ولا يلقانا، فكم من عزيز كان معنا في رمضان الماضي وهو الآن تحت الثرى، فلْنجد ونجتهد من أوِّل أيّامه، ولنستغل ساعاته ولحظاته، فإنّ المحروم منْ يَدخُلْ عليه رمضان، ولم يُغفَرْ له.
* أستاذ الفقه بجامعة البحرين
