حنان الخلفان

لم يبدأ العام الجديد ونحن أشخاص مختلفون، لم نستيقظ أخفّ، ولا أكثر حماسة، ولا محاطين بإجابات جاهزة كما توحي لنا صور التهاني. كل ما تغيّر هو الرقم في التقويم، أما نحن فدخلنا العام كما نحن تماماً، نحمل معنا ما لم ننجح في تركه، ونُخفي خلف ابتسامة البداية أشياء نعرف جيداً أنها لم تُحسم بعد. في تلك اللحظة ندرك أن المشكلة ليست في العام الذي مضى، بل في كل ما أصررنا على أخذه معنا دون حاجة.

لم تكن خيبة، ولا تشاؤماً، بل لحظة صدق نادرة؛ تلك التي نكتشف فيها أننا لا نحتاج عاماً جديداً بقدر ما نحتاج شجاعة أكبر. شجاعة أن نعترف بأننا لسنا نسخة قابلة للتحديث بضغطة زر، وأن محاولات «ابدأ من جديد» التي نكررها مطلع كل عام، كثيراً ما تكون هروباً أنيقاً من مواجهة أنفسنا.

نقضي سنوات، ونحن نكدّس فوق أرواحنا أشياء لا تشبهنا، فقط لأنها مقبولة، أو متوقعة، أو تُرضي الآخرين. نُجامل أكثر مما نحتمل، نؤجل قرارات نعرف صوابها، ونُقنع أنفسنا أن الصمت حكمة، بينما هو في الحقيقة تعبٌ مؤجّل. ثم نستغرب لماذا لا نشعر بالخفة حين يبدأ عام جديد.

ربما يظهر ذلك في أبسط التفاصيل: في رسالة نكتبها ثم نمسحها خوفاً من ردّ فعل، في موعد نلتزم به مجاملة لا رغبة، أو في قرار نؤجله عاماً بعد عام بحجة أن «الوقت غير مناسب». تفاصيل صغيرة، لكنها حين تتراكم، تصنع ذلك الثقل الذي نحمله معنا، دون أن ننتبه.

المفارقة أن الصدق لا يحتاج إضافات. لا يحتاج أهدافاً براقة، ولا قوائم مطوّلة. الصدق يبدأ من التخلّي، من تلك اللحظة التي نسأل فيها أنفسنا بجرأة: ما الذي نحمله معنا؛ لأنه يخصّنا فعلاً، وما الذي صار عبئاً فقط لأننا اعتدنا عليه؟

هناك علاقات نستمر فيها؛ لأن الخروج منها مكلف عاطفياً، لا لأنها تمنحنا سلاماً. وهناك أفكار عن أنفسنا لم نعد نؤمن بها، لكنها مازالت تحكم خياراتنا. نحمل مخاوف قديمة، نغيّر أسماءها، ونُقنع أنفسنا أنها حذر، بينما هي في جوهرها خوف من الخسارة، أو من المواجهة، أو من قول «لا» في الوقت المناسب.

ومع هذا الإدراك، لا يغيب الأمل. فالعام الجديد، وإن لم يعدنا بشيء، يمنحنا مساحة هادئة لإعادة ترتيب الداخل. مساحة لا تحتاج ضجيجًا ولا احتفالات، بل نية صادقة لأن نكون أهدأ، وأقرب إلى أنفسنا، وأقل قسوة عليها.

التفاؤل هنا لا يأتي على هيئة معجزة، بل في التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد: في صباح أقل ازدحاماً، في قرار مؤجَّل يُحسم أخيراً، في شجاعة بسيطة تقول «كفى» حين يجب أن تُقال، وفي أن نسمح لأنفسنا أن نخطئ ونتعلم، وأن نبطئ الخطى دون شعور بالذنب.

وفي كل ذلك، يبقى التوكل على الله هو الركن الأثقل طمأنينة. أن نمضي ونحن نُحسن الظن، ونستبشر بالخير كله، وندرك أن الله الذي أكرمنا في الأعوام السابقة، ورافق ضعفنا قبل قوتنا، سيزيدنا من فضله ما دمنا نطرق أبوابه بقلوب صادقة. فليس الاطمئنان في وضوح الطريق دائماً، بل في الثقة بمن بيده الطريق كله.

وربما هنا تكمن البداية الحقيقية؛ ليس في تبدّل الأعوام، بل في تلك اللحظة التي نقرّر فيها أن نحيا بوعي أكبر، وأن نختار لأنفسنا ما يشبهنا، حتى وإن خالف توقّعات الآخرين.

وبصراحة.. لسنا مطالبين بأن نكون نسخة جديدة، بل نسخة أصدق. أن نترك خلفنا ما أثقلنا طويلاً، ونمضي بما يكفينا فقط، مطمئنين، متوكلين، ومؤمنين بأن القادم يحمل من فضل الله ما هو أجمل مما نُخطط له. وهذا وحده كافٍ ليكون بداية جيدة.

شاركها.