عاش سهم شركة IBM مساء الاثنين، أصعب فترة في تاريخه منذ عام 2000، مدفوعاً بتسارع المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي، بعدما أعلنت شركة أنثروبيك عن تحديث جديد لمنصتها الذكية “Claude”، يجعلها قادرة على التعامل مع لغة البرمجة العتيقة COBOL، في تطور يعكس احتدام السباق بين شركات التكنولوجيا على تقديم نماذج قادرة على العمل داخل البيئات المؤسسية الحساسة ومعالجة البيانات واسعة النطاق.
وتعد الأنظمة المكتوبة بلغة COBOL التي تعمل تاريخيًا على الحواسيب المركزية، العمود الفقري لقطاعات مالية وحكومية حيوية، ما يجعل أي تحولات في استراتيجيات شركات الحوسبة المؤسسية، وعلى رأسها IBM، مرتبطة ليس فقط بالذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، بل أيضًا بمستقبل تحديث أنظمة COBOL ودمجها في البنى الرقمية الحديثة.
ما هي لغة COBOL؟
تُعد لغة COBOL واحدة من أقدم لغات البرمجة عالية المستوى التي لا تزال مستخدمة حتى الآن، وارتبط اسمها تاريخيًا بالأنظمة المالية والحكومية واسعة النطاق وبحواسيب الشركات الكبرى، وعلى رأسها IBM.
ظهرت اللغة، واسمها اختصار لعبارة Common Business-Oriented Language، في أواخر الخمسينيات استجابةً لحاجة المؤسسات إلى وسيلة موحّدة لمعالجة البيانات التجارية على الحواسيب المبكرة، ضمن مبادرة قادتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) لتطوير لغة تعمل عبر بيئات تشغيل متعددة.
وأسهمت عالمة الحاسوب جرايس هوبر في وضع الأسس المفاهيمية للغة عبر تبنّي صياغة قريبة من اللغة الإنجليزية، بما يسهّل قراءة الشيفرة وصيانتها على المدى الطويل ويمنحها قابلية تشغيل واسعة عبر الأنظمة.
أُطلقت النسخة الأولى من COBOL عام 1960، ثم جرى اعتمادها لغة معيارية في عام 1968، لتبدأ مرحلة انتشار عالمي واسع داخل القطاعات الحكومية والتجارية.
وشهدت اللغة سلسلة من التحديثات التقنية المتعاقبة، بدءًا من الإصدارات المبكرة في الستينيات والسبعينيات، مرورًا بإدخال مفاهيم البرمجة كائنية التوجه في إصدار 2002، ثم تحديثات على أنواع البيانات وفق معيار IEEE 754 في إصدار 2014، وصولًا إلى تحديثات حديثة ركّزت على تحسين قابلية التكامل مع الأنظمة الرقمية المعاصرة.
حوسبة موثوقة واستقرار لمعالجة البيانات
ارتبط انتشار COBOL ارتباطًا وثيقًا بالحوسبة المؤسسية القائمة على الحواسيب المركزية، إذ وفّرت هذه المنصات بيئات تشغيل عالية الاعتمادية لمعالجة كميات هائلة من البيانات.
وشجّعت موثوقية هذه الأنظمة واستثمارات المؤسسات طويلة الأجل على استمرار تشغيل التطبيقات القائمة بدلاً من تغييرها، خصوصًا في البيئات التي تتطلب معالجة معاملات مستمرة على مدار الساعة دون انقطاع.
ونتيجة لذلك، أصبحت COBOL عنصرًا محوريًا في تشغيل بنى تحتية رقمية تدعم العمليات المالية والخدمات الحكومية في عدد كبير من دول العالم.
ولا تزال COBOL تشغّل جزءًا مهمًا من البنية الرقمية العالمية، خصوصًا في القطاع المصرفي ومعالجة المعاملات المالية اليومية وأنظمة بطاقات الائتمان، وفي قطاع التأمين وإدارة الوثائق والتعويضات، وفي الأنظمة الحكومية بما في ذلك أنظمة إدارة الأمن الاجتماعي، إضافة إلى أنظمة النقل والطيران وإدارة الحجوزات.
وتعتمد هذه القطاعات على COBOL في أنظمة توصف بأنها “حرجة للمهام”، إذ يصعب تغييرها دون أخطار تشغيلية كبيرة، فيما تشير تقديرات تقنية إلى أن مئات المليارات من أسطر الشفرة لا تزال قيد التشغيل عالميًا.
ورغم قدمها النسبي، لا تزال COBOL قادرة على التكامل مع التقنيات الحديثة عبر التشغيل البيني مع صيغ البيانات القياسية والتطبيقات الرقمية المعاصرة، إضافة إلى إمكانية تشغيلها ضمن بيئات سحابية حديثة مثل Amazon Web Services وMicrosoft Azure وIBM Cloud.
وأدى هذا التكامل إلى بروز مفهوم تحديث COBOL، الذي يهدف إلى نقل التطبيقات القائمة إلى بيئات حديثة أو إعادة هندستها أو دمجها مع الأنظمة الرقمية الجديدة عبر واجهات برمجة التطبيقات أو عبر بنى تشغيل هجينة تجمع بين الحوسبة المركزية والخدمات السحابية.
تمثل COBOL بذلك حالة فريدة في تاريخ البرمجيات، إذ استطاعت الحفاظ على دور محوري في تشغيل البنية التحتية المالية والحكومية العالمية لأكثر من 6 عقود.
ويعتمد استمرارها في المستقبل على قدرتها على الاندماج التدريجي مع التقنيات الحديثة والحوسبة السحابية، بما يضمن استمرارية الأنظمة المؤسسية التي يقوم عليها جزء كبير من الاقتصاد الرقمي العالمي.
