خاص | بعد معارك الساحل السوري.. هل يعيد التصعيد العسكري رسم المشهد السياسي؟.. خبراء يجيبون

تصاعدت الأحداث في الساحل السوري بشكل غير مسبوق، حيث شهدت المنطقة اشتباكات دامية بين قوات الأمن السوري ومجموعات مسلحة، وسط حملة عسكرية موسعة أعلنت عنها وزارة الدفاع السورية لاستعادة السيطرة على المناطق التي شهدت هجمات ضد القوات الأمنية.
وفي ظل هذه التطورات، دخلت قوات وزارة الدفاع إلى مدينة طرطوس دعمًا لقوات إدارة الأمن العام، في مواجهة ما وصفته بـ فلول ميليشيات الأسد” مما يؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع الداخلي، قد تعيد رسم المشهد السوري بالكامل.
وتأتي هذه التحركات العسكرية في أعقاب كمائن واستهدافات أمنية طالت وحدات الجيش السوري في اللاذقية، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى، في وقت تحذر فيه مصادر حقوقية من أن الاشتباكات قد تتصاعد، مع تزايد التدخلات الخارجية وتعقّد التوازنات السياسية في المنطقة.
ويتحدث في هذا السياق الباحثون السياسيون في حديث خاص لموقع «بلدنا اليوم» عن التطورات الأخيرة في سوريا، مسلطين الضوء على أبعاد الصراع الراهن، وتداعياته المحتملة على مستقبل البلاد، في ظل التغيرات الميدانية المتسارعة والتدخلات الإقليمية والدولية المتشابكة.
نزار نزال: سوريا تحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات
وفي حديث خاص لـ «بلدنا اليوم»، قال نزار نزال، المحلل السياسي والباحث في قضايا الصراع من جنين، إن سقوط النظام السوري لم يكن مجرد نتيجة لتحركات داخلية، بل جاء بدعم واضح من قوى إقليمية ودولية، وعلى رأسها تركيا، الولايات المتحدة، وإسرائيل، إلى جانب تنظيمات مسلحة متعددة التوجهات، بعضها ليبرالي أو علماني، والبعض الآخر ذو مرجعية إسلامية متطرفة، بما في ذلك تنظيم داعش.
وأشار “نزال” إلى أن هذه الفصائل، التي لعبت دورًا محوريًا في إسقاط النظام، لم تكن مؤهلة لبناء دولة مستقرة، وهو ما أدى إلى نشوب خلافات وصراعات مسلحة داخلها، حيث أن سقوط النظام لا يعني بالضرورة نشوء كيان سياسي موحد قادر على إدارة البلاد.
نزار نزال، المحلل السياسي والباحث في قضايا الصراع من جنين
وأوضح أن سوريا اليوم تحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، مشددًا على أن إسرائيل لا تريد دولة سورية قوية أو جيشًا نظاميًا مسلحًا، بل تسعى إلى إقامة كيان مقسم إلى أقاليم متناحرة، منزوع السلاح، يعاني من الفوضى الدائمة.
وأكد “نزال” أن التطورات الأخيرة في سوريا لا تشير إلى انهيار النظام الجديد أو القوى الحاكمة الحالية، لكنها تنذر بفترة طويلة من عدم الاستقرار والصراعات الداخلية، موضحًا أن تعدد الفاعلين على الساحة السورية، من إسرائيل وتركيا وأمريكا، إلى دول الخليج، جعل البلاد بيئة خصبة لتقاطع المصالح والتدخلات الخارجية، مما يزيد من تعقيد المشهد.
ولفت إلى أنه عند سقوط النظام السابق، شنت إسرائيل ضربات جوية مكثفة استهدفت المواقع العسكرية السورية، واستمرت الهجمات لمدة 70 ساعة متواصلة، بمشاركة نحو 300 طائرة حربية، مما يؤكد دورها الفاعل في المشهد السوري.
واختتم “نزال” حديثه بالتأكيد على أن سوريا مقبلة على المزيد من الاشتباكات والصدامات المسلحة بين الفصائل المتناحرة، مع احتمال تطور الأوضاع إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا ترتبط مباشرة بالمصالح الإقليمية والدولية في المنطقة.
بدر الماضي: قسد لاعب رئيسي في إعادة تشكيل المشهد السوري
ومن جهة أخرى، قال الدكتور بدر الماضي، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الألمانية، في حديث خاص لـ «بلدنا اليوم»، إن ظهور حركات التمرد داخل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد كان أمرًا متوقعًا، نظرًا لتعقيدات المشهد السوري وتشابك المصالح الداخلية والخارجية.
وأشار “الماضي” إلى أن النظام السابق كان يعتمد على شبكة معقدة من التحالفات الطائفية والمذهبية، بالإضافة إلى دعم مباشر من إيران وحزب الله، وهو ما شكل دعامة أساسية لاستمراره، ومع سقوطه، تلقى المشروعان الإيراني والروسي ضربة قوية، مما جعل المشهد السياسي أكثر هشاشة.
وأكد أن قوات قسد في شمال شرق سوريا تحاول استغلال الوضع الحالي لتعزيز موقفها أمام الحكومة السورية، وإبطاء أي جهود لتوحيد البلاد تحت سلطة مركزية واحدة. وشدد على أن هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى مزيد من التصعيد بين القوات الحكومية وقسد، مما يزيد الضغط على دمشق في هذه المرحلة الحساسة.
الدكتور بدر الماضي
الحكومة السورية وسياسة ضبط النفس
وأوضح “الماضي” أن الحكومة السورية الجديدة، على الرغم من التحديات التي تواجهها، تبنت سياسة عدم الانتقام من فلول النظام السابق، ولم تقم بعمليات تصفية واسعة لضباط الجيش السابقين، في محاولة لتوجيه رسالة بأن البلاد دخلت مرحلة سياسية جديدة، منفصلة تمامًا عن إرث عائلة الأسد وحزب البعث الاشتراكي.
الدعم الخارجي والبعد الطائفي في المشهد السوري
ولفت إلى أن التمرد الأخير يحمل أبعادًا داخلية وخارجية، حيث أن بعض العناصر العلوية، التي حكمت البلاد لأكثر من 54 عامًا، تعتقد أن سوريا يجب أن تبقى خاضعة لنفوذها، وهو ما يخلق حالة من التوتر بين الفئات المختلفة داخل المجتمع السوري.
وأشار الماضي إلى أن الدعم الدولي للحكومة السورية، لا سيما الدعم العربي، خاصة من السعودية ودول أخرى، كان سريعًا وحاسمًا، حيث أُصدرت بيانات ترفض أي حركات تمرد، وهو ما أدى إلى إجهاض العديد من المخططات الرامية إلى زعزعة استقرار سوريا.
الانتفاضة الشعبية في مواجهة التمرد
وشدد الدكتور بدر الماضي على أن الشارع السوري يتجه نحو رفض أي محاولات لإعادة الفوضى، وهناك زخم شعبي يدعم الحكومة السورية في القضاء على التمرد الحالي، مما يعزز فرص تثبيت الاستقرار ومنع أي محاولات لإعادة البلاد إلى مربع الفوضى والصراع.
المستقبل السوري.. إلى أين؟
وأكد الماضي في ختام حديثه أن سوريا لا تزال في مرحلة إعادة التشكيل السياسي، حيث تسعى الحكومة الجديدة إلى فرض سلطتها على كامل الأراضي، وسط تحديات إقليمية ودولية كبرى، مما يجعل المستقبل مفتوحًا على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن الصراع في سوريا لم ينتهِ بعد، بل دخل مرحلة جديدة من المواجهة والتحدي.
محمود الأفندي: حركات التمرد الأخيرة في سوريا تصرف أهوج وعبثي
وفي السياق عينه، قال الدكتور محمود الأفندي، الباحث السياسي في روسيا، إن الحركة الأخيرة التي شهدتها سوريا هي “حركة غبية” لا تقف وراءها أي دولة، وإنما جاءت نتيجة تصرفات غير محسوبة من بقايا النظام القديم، الذين لم يستوعبوا حتى الآن أنهم خرجوا من السلطة.
سوريا بين التمرد والفوضى
وأوضح الأفندي، خلال حديثه لـ «بلدنا اليوم» أن هؤلاء الفلول حاولوا تنفيذ عمليات مركزة في حمص وبانياس واللاذقية، مما أدى إلى مجازر دموية بين عناصر الأمن السوري وهيئة تحرير الشام، معتبرًا أن هذه التحركات كانت بدوافع انتقامية بحتة دون أي رؤية استراتيجية.
السلاح المنفلت والتدخلات الخارجية يعمّقان الأزمة
وشدد على أن المشكلة الرئيسية في سوريا اليوم تتمثل في انتشار السلاح خارج سلطة الدولة، حيث لا تزال العديد من الفصائل المسلحة في الجنوب، وقوات قسد، وبعض الجبهات الأخرى تحتفظ بترساناتها العسكرية، وهو ما يُعقّد جهود الحكومة السورية في فرض السيطرة الكاملة على البلاد.
وأكد أن الوضع الحالي في سوريا يشبه ما يحدث في لبنان، حيث تنتشر الأسلحة بيد جماعات متعددة خارج سيطرة الدولة، مما يستوجب تفاهمات إقليمية ودولية لضبط المشهد الأمني ومنع الفوضى المسلحة.
إسرائيل والموساد الدور التخريبي في سوريا
ولفت ”الأفندي“ إلى أن إسرائيل تلعب دورًا رئيسيًا في تأجيج الصراعات داخل سوريا، حيث تعمل المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على التأثير في فصائل الجنوب، مما يمنعها من الخضوع للسلطة السورية.
وأشار إلى أن واشنطن تسير وفقًا للأجندة الإسرائيلية، وتدعم قوات قسد لضمان استمرار عدم الاستقرار، في المقابل، ترفض فصائل الجيش السوري المدعومة من بريطانيا وفرنسا تسليم سلاحها، مما يزيد المشهد تعقيدًا.
وأكد أن الحل الوحيد لإنهاء الأزمة يكمن في توافق دولي، يشمل روسيا وإسرائيل وتركيا والدول العربية، لإيقاف تدخلات الموساد، الذي يعمل بشكل مباشر على تفكيك سوريا إلى كيانات طائفية.
الدكتور محمود الأفندي
نتنياهو وراء إسقاط نظام الأسد والمخطط مستمر
وشدد ”الأفندي“ على أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان العقل المدبر وراء إسقاط نظام الأسد، حيث لعبت المخابرات الإسرائيلية دورًا رئيسيًا في اختراق الجيش السوري وخلق انشقاقات داخلية، مما أدى إلى انهياره.
وأوضح أن إسرائيل لا تريد سوريا موحدة وقوية، بل تسعى إلى تقسيمها إلى دويلات طائفية ضعيفة، مشيرًا إلى أن الحل الوحيد لإنقاذ سوريا هو وقف التدخلات الخارجية، وخاصة من قبل إسرائيل والموساد، عبر تفاهمات دولية بين روسيا وتركيا وإسرائيل.
مستقبل سوريا نحو مزيد من التعقيد؟
وأكد ”الأفندي“ في ختام حديثه أن الوضع في سوريا ما زال معقدًا وصعبًا للغاية، خاصة في ظل التمرد المسلح واستمرار التدخلات الخارجية، مما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة رهينًا بقرارات دولية كبرى قد لا تكون قريبة المنال.
المصدر: بلدنا اليوم