حاتم الطائي
◄ أبعاد سياسية ونفسية تكشف دوافع الكذب والخداع
◄ أكاذيب ترامب انتقلت من الاقتصاد إلى السياسة إلى الحروب
◄ الكذب أداة سلطوية لفرض الرأي وتضخيم الذات النرجسية السيكوباتية
الكذب سمة أساسية في كثيرٍ من جوانب السياسة، والسياسيون عادةً من أمهر الكذابين، لكنَّهم في مرحلة ما يتراجعون عن أكاذيبهم ويُقدمون الاعتذارات، أو ربما يُحاكمون على الأكاذيب التي أطلقوها ليخدعوا بها العامة أو ليتنصلوا من المسؤولية، باستثناء شخص واحد في هذا العالم المجنون، إنِّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يمكن وصفه بالكاذب دون أدنى مجهود لإثبات ذلك.
الأكاذيب الترامبية لم تتوقف فقط في الداخل الأمريكي، الذي يشتعل بصراعات لا تتوقف بين الحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترامب، والحزب الديمقراطي المُناهض له، وإنما امتدت هذه الأكاذيب لتشمل كل القضايا التي يتحدث فيها ترامب، في الداخل والخارج. ورغم أن الكذب سلوك بشري، إلّا أنَّ الإصرار عليه واتخاذه نهجًا استراتيجيًا يعكس خللًا نفسيًا عميقًا، يتعارض تمامًا الممارسات التي ينبغي أن يتبعها أي فرد في المجتمع، عوضًا عن أن يكون رئيس الولايات المتحدة!
هنا يستدعي الأمر التوقف ودراسته من عدة زوايا؛ الأولى: سياسية؛ حيث إن اللجوء إلى الكذب لتبرير السياسات يُؤكد مدى الأخطاء التي يرتكبها هذا الرئيس أو أي سياسي آخر، ويُدلل على أن خداعًا مورس على الناخبين الذين منحوه أصواتهم ليصل إلى هذا المنصب المؤثر في مسار العالم، وليس الولايات المتحدة وحسب. وهذا الخداع يتبيّن مرة بعد أخرى، أنه نهج أصيل في شخصيته؛ إذ يعتمد عليه انطلاقًا من مفهوم “الصفقة”، وقد رسّخ لذلك المفهوم في كتابه “ترامب: فن الصفقة” الذي نشره عام 1987، أي في مراحل مُبكِّرة من مسيرته التجارية والسياسية. ترامب يرى الحياة نفسها “صفقة”، بمعنى أنه لا بُد أن يكون هناك بائع ومشترٍ، والثمن يتحدد حسب طبيعة وظروف التفاوض، أو الضغوط التي يمارسها على الطرف الآخر.
أيضًا الكذب من ناحية سياسية، يُستخدم كأداة سلطوية، تساعد الكاذب على التحكم في المشهد من حوله، والسيطرة على الرواية السائدة، لتكون روايته هو وحده، ولا أحد سواه، وهو في ذلك ينطلق من قاعدة وزير الدعاية في ألمانيا النازية: “اكذب ثم اكذب، حتى يصدقك النَّاس”، وبذلك يوهم الكاذب نفسه أن مُسيطر على الجمهور، معتمدًا في الوقت نفسه على ضعف الذاكرة الجمعية، وتأجيج الاستقطاب المجتمعي تجاه القضايا التي يكذب فيها.
أما الزاوية الثانية، فهي نفسية، وتكشف لنا تفاصيل تُفسِّر شخصية دونالد ترامب، وتميط اللثام عن بعض صفاته، ومنها: التنمُّر، والاستعلاء، والنرجسية، وإساءة الأدب مع الآخرين، والسب والقذف، وغيرها. والكاذب يُقنع نفسه دائمًا بأنَّه صادق، أو أنه يكذب من أجل “المصلحة العامة”، أو لأنَّ “الحقائق لن يتقبلها المجتمع”، وغيرها من التبريرات الواهية التي تمنحه التماسك الأخلاقي الذي يُتيح له مواصلة الكذب، ليصل إلى مرحلة تصديق الذات. ويعترف ترامب في كتابه أنَّه يلجأ إلى استراتيجية “التضخيم الصادق” والتي ترتكز على تضخيم ما يقوله ترامب وهي غالبًا أكاذيب من خلال “المزج بين المُبالغة والتفاؤل”، فهو يُبالغ في أحاديثه، مثلما ادعى أنَّه كان الفائز في انتخابات 2020، وأنَّ “الدولة العميقة” تحاربه، ولذلك قرر هو مُحاربتها!
وقد وصل ترامب إلى مرحلة تصديق أكاذيبه، وهي نوع من “الخداع الذاتي”؛ إذ يرى نفسه صادقًا، لدرجة أنه في المقابل يصف كل من يُخالفه الرأي بأنَّه “كاذب”؛ فالإعلام المناهض له الكاشف لأكاذيبه، هو من وجهة نظره “إعلام كاذب”، ولنا أن نتذكر كم مرة أحرج فيها ترامب صحفيين؛ بل ورؤساء وملوك دول، وأساء إليهم ووجه لهم إهانات لفظية فقط لأنَّهم يعارضونه في الرأي.
أكاذيب ترامب تعتمد كذلك على استراتيجية “الاستمرار والصمود”، بمعنى مواصلة الكذب والإصرار عليه، تمامًا كما حدث في قضية غزة، فقد أصر ترامب منذ اللحظة الأولى على إطلاق كذبة كبيرة، وهي أن قطاع غزة منطقة لا تصلح للعيش، وكأنَّ كارثة طبيعية حلّت بها، وليس لأنَّ هناك جيش احتلال مُجرم نفَّذ جريمة إبادة جماعية بسلاح وذخيرة وخبرات عسكرية أمريكية. استمر ترامب في هذه الأكذوبة، وروَّج لغزة لتكون “ريفييرا الشرق الأوسط”، في محاولة منه لتمرير سيناريو التهجير وطرد أهل غزة من أرضهم.
ترامب يعتمد كذلك على استراتيجية “الرد بقوة”، فهو يكذب طوال الوقت، لكن عندما يجد أحدًا يُعارضه ويُفنِّد أكاذيبه، يكون الرد عليه بكل قوة، في محاولة لإقناع الجمهور أنه هو الطرف الصادق، وأنَّ الآخر الذي يبدو ضعيفًا في مواجهة شخصية نرجسية حديّة يُطلق القنابل اللفظية من فمه، دون أدنى اعتبار لأية قيم أو أخلاقيات هو الطرف الكاذب!
أكاذيب ترامب تعتمد أيضًا على تعمُّد إهانة ضيوفه من قادة الدول، وهذه خدعة نفسية يُمارسها ترامب على من حوله لكي يستطيع أن يتحكم فيهم، من باب التنمُّر والنرجسية. ويكفي أن نشاهد الرئيس الأوكراني وهو يجلس مُنكمشًا على نفسه غير قادر على الدفاع عن وجهة نظره، بينما يتناوب عليه ترامب ونائبه جي دي فانس بالإهانات اللفظية، لدرجة أنه تعرض لما يمكن أن نصفه بعنف جسدي، عندما كرر ترامب رفع سبابته في وجه الرئيس الأوكراني بلغة تهديدية، بل ودفعه ترامب في كتفه في مشهد عبثي عكس مدى عدم الاحترام الذي يظهره ترامب للآخرين. وكذلك سخريته من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أكثر من مرة، وتنمُّره على طريقة نطقه للغة الفرنسية، أو على نظارته التي ارتداها مُؤخرًا، نتيجة إصابته في العين.
أيضًا الكذب بشأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو المُختطف في أمريكا؛ حيث يزعم كذبًا أنَّه يقود عصابات تهريب المخدرات، في حين أنَّ الحقيقة التي نطق بها ترامب تؤكد أنَّ هذه الجريمة الدولية هدفت إلى الاستيلاء على ثروات فنزويلا من النفط والغاز، والتي أعلن ترامب أنَّه بالفعل سيستولي على عائداتها.
سلسلة الأكاذيب وصلت إلى النزاعات والحروب، التي ادَّعى ترامب كذبًا أنه أخمد 8 منها، بينما هو في حقيقة الأمر أشعل نيران الحرب في عدة مناطق حول العالم، ويُهدد بحروب أخرى مثل الحرب مع إيران. وبالغ في أكاذيبه عندما زعم أنَّ جزيرة جرينلاند الدنماركية كانت مملوكة للولايات المتحدة في سابق الزمان، وهذه أكذوبة كبيرة لم تحدث في التاريخ!
لم يكتف ترامب بإطلاق أكاذيب سياسية، وإنما امتد ذلك إلى عالم الاقتصاد، فقد زعم أنَّ الولايات المتحدة حققت أرقامًا اقتصادية قياسية وصفها بأنها “الأفضل في التاريخ”، وادعى جذب استثمارات أجنبية بـ17 تريليون دولار، بينما إن صحت بعض الأرقام فهي لا تعدو وعود بالاستثمار، وتعهدات غير مُؤكدة.
أضف إلى ذلك أكاذيبه في الشأن العام، مثل ادعاء مخاطر صحية بسبب تناول دواء شهير يستخدم كمُسكِّن للآلام، وأنه يتسبب في إصابة الأطفال بالتوحد. علاوة على أنه يكذب حول التغير المناخي؛ إذ يُشكك دائمًا في قضية الاحتباس الحراري، رغم أنَّ العِلم أكدها.
الواضح أننا أمام رئيس يحترف الكذب، ولا يجد وسيلة أخرى سواه لفرض سلطويته والإمعان في نرجسيته السيكوباتية، وصفاته الشخصية القائمة على التنمُّر والحط من شأن الآخرين، والحقيقة أنَّ أمثال هؤلاء يتسببون في أزمات دولية وتأجيج الصراعات، وإرباك المُجتمع الدولي، خاصةً وأنَّ ترامب يُرسِّخ لنموذج عالمي خاص به، إنِّه “عالم بلا قواعد”، عالم بلا قانون، عالم بلا مؤسسات دولية ومنظمة الأمم المتحدة، عالم يحتكم إلى قانون الغاب، لا إلى القيم والأخلاق والفضيلة.
