د. غالية بنت عيسى الزبيدية **
 

ليست الكتابةُ لحظةَ جلوسٍ إلى الورق، ولا طَرْقًا مباشرًا على باب المعنى، بل هي زمنٌ سابق، هشٌّ وعميق، يتشكّل في الخفاء، حيث لا كلمات بعد، ولا جُمل، بل رجفةٌ خفيّة تشبه النبض الأوّل في رحم الفكرة.

قبل أن يولد العمل الأدبي، يكون الكاتبُ كائنًا مُصغِيًا؛ يصغي إلى صمتٍ داخليٍّ مكتظّ، وإلى أسئلةٍ لا تبحث عن أجوبة، بل عن شكلٍ يليق بها. تتراكم المشاعر في داخله كغيومٍ متثاقلة، لا تمطر دفعةً واحدة، بل تتهيّأ طويلاً، وتختبر صبر السماء.

في تلك اللحظات، لا تكون اللغةُ طيّعة، بل متمنّعة، تراوغ، تختبر صدق صاحبها. تتقدّم فكرةٌ ثم تنسحب، تلمع صورةٌ ثم تنطفئ، كأن النصّ يعلّم الكاتبَ التواضع قبل أن يمنحه صوته. هنا، في هذا الفراغ المُرهق، يتعلّم الكاتب أن الانتظار جزءٌ من الكتابة، وأن الصمت شريكٌ خفيّ في صناعة المعنى.

الكتابة قبل الكتابة حالةُ توتّرٍ جميل؛ اختلاطٌ بين الخوف والرغبة، بين الامتلاء والعجز. يشعر الكاتب بأن شيئًا ما يريد أن يُقال، لكنه لم يجد بعدُ لغته، وكأن المعنى يتنفّس داخل الصدر بحثًا عن نافذة. في هذا المخاض، تصبح التفاصيل اليومية مشحونة بالدلالة: نظرةٌ عابرة، صوتُ نافذة، رائحةُ مكانٍ قديم، كلها تتحوّل إلى إشاراتٍ سرّية توجّه النصّ القادم.

وحين تقترب الولادة، يتغيّر الإيقاع الداخلي. تتباطأ اللحظة، ويشتدّ الإحساس، ويغدو القلب أكثر يقظة من العقل. عندها فقط، تتقدّم الجملة الأولى لا بوصفها بداية، بل اعترافًا: اعتراف بأن النصّ لم يعد احتمالًا، بل ضرورة.

هكذا تُولد الأعمال الأدبية الحقيقية: من صبرٍ طويل، ومن إصغاءٍ عميق، ومن شغفٍ يسبق الحروف. وما يُكتب لاحقًا ليس إلا الأثر المرئيّ لتلك اللحظات الخفيّة، حين كان النصّ فكرةً مرتجفة، والكاتبُ شاهدَ ولادتها الصامتة.

وحين تُولدُ الكلمةُ

لا تخرجُ من الحبر،

بل من قلبٍ تعلَّمَ طويلًا

كيف يصمتُ… ثم يقول.

شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب

** الفائزة بجائزة سرد الذهب بدورتها الثالثة لعام 2025م.

شاركها.