حمد الناصري

 

 

أثارت تصريحات مايك هاكابي السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال الصهيونية “إسرائيل” جدلاً واسعًا في المقابلة التلفزيونية التي أجراها معه الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، وتم تداول التصريح باستخفاف في صحف واسعة مثل صحيفة الغارديان ونقلته شبكة الجزيرة الإخبارية.

فجر السفير الأمريكي مايكل هاكابي عاصفة من الجدل على منصات التواصل وفي الأوساط السياسية؛ إذ كانت المقابلة تمهيدًا لإيصال رسالة واضحة للعرب جميعًا وعلى رأسهم الشقيقة السعودية، ولم يتردد الإعلامي والمتحدث عن التصريحات العلنية المُمهدة لفكرة الاستيلاء على كامل أراضي الشرق الأوسط بدءً من “النيل إلى الفرات” وعلى جزء كبير من السعودية؛ استنادًا إلى تأويلات توراتية قديمة وتفسيرات مُحَرّفة تنتهجها تيارات مسيحية وصهيونية في أمريكا.

وخلال الحوار زعم الإعلامي كارلسون أنّ نصًا في العهد القديم، تحدّث عن وعد إلهي للنبي إبراهيم عليه السلام بأن أرضًا تمتد من وادي “نهر النيل إلى وادي نهر الفرات” وتشمل تلك مساحة واسعة في الشرق الأوسط الجديد منها لبنان وسوريا والأردن والسعودية، حسب ما نشرته صحيفة جارديان البريطانية.

ولم يُنكر السفير الأمريكي مايك هاكابي؛ بل إنه صرّح علنًا بشكل سافر متبجحًا بأنّ “لإسرائيل الحق الديني” في السيطرة على الشرق الأوسط.. ثم صرّح بتعبير متعجرف “لا بأس إن استولوا عليها كلها “وبدا هاكابي في حديثه وكأنه يُلقي دروسًا على زعماء المنطقة بكل جرأة ووقاحة، ليُخوفهم من قوة إسرائيل وينبّههم إلى كيفية التعامل مع إسرائيل العظمى.

وفي تصريحات مُعلنة ومُوجهة، تدور حول أحقية الأرض التي باركها الله لتكون حقًا لإسرائيل الكبرى، إشارة واضحة إلى أبعاد دينية يروّج لها الصهيوني هاكابي ومن على شاكلته بهذه الأيام حينما انحسرت قوة العرب وصاروا يتقبلون الإذلال وينصتون له خاشعين.

ولو عدنا إلى ذلك الزمن حين كانت مهابة العرب قوة تستند على إيمان مُطلق لا يخشى إلا الله، فالنبي المصطفى هزم اليهود (بني قينقاع والنضير وقريظة) بالمدينة المنورة وأجلاهم عنها عندما نقضوا العهد الذي بينهم وبينه. وعلينا من هذه الحادثة التاريخية أن نستدل ألا عهد لليهود ولا ميثاق فهم عُرق جُبِل على الخيانة.

وفي هذه المقابلة الإعلامية، سأل المذيع “كارلسون” سفير أمريكا لدى إسرائيل: عمّا إذا كان من حق إسرائيل الاستحواذ على تلك الأراضي، فأجاب السفير بتحيّز مُقيت “سيكون الأمر مقبولًا لو أنهم أخذوها كلها” ومِثْل هذا التصريح يتجاوز بأسلوبه الفظ، الإطار السياسي وينحو به إلى أيدلوجية عنصرية بحتة.. بتصريح عنصري عقائدي ومن هنا يظهر شُعور الصهاينة من هذه القضية العربية، فدائمًا ما نجد حواراتهم حول القدس وأحقية العرب في فلسطين تحدث جدلًا سياسيًا.

وقد ورد في سفر العدد “أحرقوا جميع مدنهم ومساكنهم وجميع حصونهم بالنار” واقتلوا كل ذكَر وكل أنثى”، وفي سفر صموئل الأول “اقتل رجلًا أو امرأة أو حتى طفلًا رضيعًا”. وكل تلكم التعاليم مُحَرّفة وليست من اليهودية الحقة في شيء؛ فالديانة اليهودية بريئة من ذلك الزيف والتحريف المُمنهج؛ فالله تعالى حرّم الظُلم كما حرّم القتل في كتب اليهودية القديمة الأولى.. فقد قرأنا في “الوصايا العشر من سفر الخروج” الوصية السادسة “لا تَقْتُل”؛ بل إنّ القتل العَمْد في سفر الخروج بغير وجه حق يستوجب العقاب الإلهي القصاص كما هو في الإسلام. وهُنا نجد توافقًا كبيرًا بين اليهودية الأولى القديمة والقرآن العظيم، في مبدأ القصاص “العين بالعين” وعدالة مُتجذرة ومُتماثلة.

والتشريعات القرآنية تتوافق مع التوراة في إقامة الحد والقصاص للحد من الجريمة والحد من التعدّي على حُرمة النفس.

بينما نجد في الصهيونية المُعاصرة، ما يندى له الجبين من تحريفات لظلم النفس البشرية مُتمثلة بصور أخرى مثل الحرب وسفك الدماء ومن هنا انحرفت العقلية الصهيونية واحتالت على المفاهيم بمفاهيم أخرى تشكّلت لتبرير جرائمهم في قتل الانسان العربي وغير العربي من الذين يُعارضون وحشيتهم وتعدّيهم على الشعوب الضعيفة.

وقد اعتبر مُغردون بأن حديث “هاكابي” يُعَرّف بأنه تطرف لنفوذ تيار قومي مسيحي في دوائر صُنع القرار الامريكي.. بينما اعتبر آخرون بأنه امتداد لـتوجّه ديني مؤطّر بخلاف سياسي جيوسياسي.. فيما مُغردون آخرون اعتبروها تصريحات استفزازية لا تُمَثّل سياسة رسمية لأمريكا. وقالوا عنها بأنها تكشف الوجه الحقيقي لأفكار الصهيونية التي تختبئ وراء الستار حول ما يخص ملفات الشرق الأوسط.

ولكي نصل لمُقاربات حول السفير الأمريكي في إسرائيل، إذ إن هاكابي صهيوني انجيلي وقد عيّنه الرئيس ترامب، كما يتضح لأجل بثّ هذه الأفكار المسمومة التي أدلى بها عليه.

وقد أعلن بأنه لا يعترف بفلسطين كدولة خارج إطار إسرائيل، وان لإسرائيل الحق في قتل أبناء غزة وتجاوز إلى المستوطنات التي رفض توصيفها بالمُستوطنات، وسمّاها “يهودا والسامرة” وذلك ما صرّح به في هذه المقابلة وأكّد بأنه يدعم حق قيام إسرائيل الكبرى بالسيطرة على المنطقة من النيل إلى الفرات.. وهذا تصريح خطير، عنصري صهيوني وعُدواني حتى النخاع، دون أيّ مراعاة للحقوق والسيادة الفلسطينية مُتجاوزًا القانون الدولي وحقوق الشعوب.

خلاصة القول.. إذا ما قرأنا هذه العُدوانية المُقيتة نجدها تصريحات عقائدية النزعة تحوّلت من دينية مُختلف عليها إلى صراع عَقدي، كما هو في تراث الصهيونية “وعد إلهي” وبقراءة الوعد الإلهي حسب ما أدلى به السفير هاكابي، نقرأ بأنه يُريد أن يغلق باب السلام التي تسعى إليه مجموعة من دول العالم، وأنه يسعى لتوسيع دائرة العنف في الشرق الأوسط وفرض هيمنة إسرائيل على دول المنطقة بدعم امريكي قومي عقائدي.

ولِعَمْري أنّ ذلك أكبر خطر تُواجهه أمّتنا العربية منذ 1948 بشكل مبطّن حتى وصلنا إلى نقطة الصفر الحاسمة وأعلنتها الصهيونية الخرقاء بأنها خطة علنية، لإذلال العرب وما تبقى منهم من المُتأسلمين؛ فماذا لو كانت مثل هذه التصريحات وردت بصورة عكسية على لسان أحد من زعماء العرب أو أحد المُسلمين لقالوا عنه إرهابي.. وما أكثر الذين قتلتهم أمريكا بتهمة الإرهاب ومُعاداة السامية ووصفتهم بالإرهاب أو ما تمّ تعريفه لاحقًا “تهديد الأمن القومي الأمريكي”.

شاركها.