خالد بن سالم الغساني
المُتابِع للأحداث والتصريحات الأمريكية الأخيرة التي تصف إيران بأنها العدو المركزي المتبقي، يلاحظ توقيتًا دقيقًا حساسًا على الصعيد الإقليمي، تتقاطع فيه الضغوط الخارجية مع توترات داخلية تواجهها إيران على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذا التوقيت يتماشى مع محاولة استثمار الوضع الداخلي الإيراني ضمن استراتيجية أمريكية غربية أوسع، تهدف إلى إعادة ترتيب توازنات الشرق الأوسط على قاعدة أولوية أمن إسرائيل وتقليص أي قوة إقليمية قادرة على تهديده.
الاستراتيجية المطروحة اليوم لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة أو العقوبات التقليدية؛ بل تعتمد بشكل متزايد على إنهاك الداخل الإيراني عبر الضغوط الاقتصادية، والعزل السياسي، إلى جانب الحرب النفسية والإعلامية، وربط ذلك بحِراك إقليمي يهدف إلى تفكيك شبكة النفوذ التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. والفرضية الأساسية هنا أن انشغال إيران بأزماتها الداخلية سيَحِد من قدرتها على لعب دور إقليمي فاعل، ما يفتح المجال أمام واشنطن وحلفائها لإعادة هندسة المشهد بما يخدم مصالحهم الأمنية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، تتكامل عدة مسارات، تتمثل في توظيف الساحة السورية ضمن ترتيبات إقليمية تُفرغ دورها الجيوسياسي كحلقة وصل فاعلة، بالتوازي مع مساعٍٍ لتقليص قدرة المقاومة اللبنانية على الردع، وتكثيف الحصار السياسي والعسكري على غزة بما يُرسِّخ التفوق الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه، تُعاد صياغة «مبادرات السلام» وتسويقها دوليًا كمسارات حل، بينما هي في جوهرها أدوات لإدارة الصراع أكثر منها حلولًا حقيقية؛ إذ تختزل القضية الفلسطينية ضمن ترتيبات أمنية واقتصادية تتجاهل جذور الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني الأساسية.
ولا يمكن فصل هذا كله عن ملف الطاقة، الذي يزداد أهمية في ظل الاضطرابات العالمية؛ فالتحكم بممرات النفط والغاز أو التأثير عليها يبقى أداة ضغط مركزية في أي صراع إقليمي. ومن هنا، فإن إضعاف إيران أو محاصرتها لا يُقرأ فقط من زاوية أمن إسرائيل، بل ضمن معركة أوسع على النفوذ الاقتصادي والتحكم بأسواق الطاقة الحيوية.
غير أن هذه المقاربة تواجه جملة من المخاطر؛ فإيران، رغم التحديات الداخلية، لم تفقد القدرة على المناورة الإقليمية، وقد تلجأ إلى أدوات غير تقليدية للرد؛ سواء عبر ساحات التوتر المفتوحة أو من خلال أوراق ضغط بحرية واقتصادية. كما إن التعويل على تفكك الداخل الإيراني لإعادة تشكيل المنطقة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات فوضوية غير محسوبة، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود إيران نفسها.
على المستوى العربي، يظل الانقسام قائمًا، فهناك دول ترى في إضعاف إيران فرصة لتقليص تهديد مباشر أو محتمل، وأخرى تدرك أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على استهداف دولة مركزية أو تحويل الصراعات إلى حروب بالوكالة. هذا التباين يُعمِّق هشاشة النظام الإقليمي ويجعل أي ترتيبات أمنية عرضة للاهتزاز.
تحويل أزمات الشرق الأوسط، في ظل ما يجري داخل إيران، إلى مسألة «أمن إسرائيل أولًا» يعني مرة أخرى تجاهل الأسباب البنيوية لعدم الاستقرار، المتمثلة في غياب العدالة وانسداد الأفق السياسي وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الاستقرار المفروض بالقوة أو بالحصار لا يدوم، وأن الشعوب هي دائمًا من يدفع الثمن الأكبر.
قد تُحقق الضغوط المركبة على إيران مكاسب تكتيكية قصيرة المدى لبعض القوى، لكنها لا تمثل حلًا استراتيجيًا طويل الأمد؛ فالحلقة الأخيرة في هذه السلسلة ليست إيران وحدها، بل نموذج إقليمي كامل قائم على الإقصاء وازدواجية المعايير. ومن دون معالجة جذرية للقضية الفلسطينية وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها، سيبقى الشرق الأوسط أسير دوامة الصراع، مهما تبدلت الأدوات وتغيرت خرائط النفوذ.
