سعيد المالكي
لا أكتب حكمًا على قرارٍ، ولا أحلل الأرقام، بل أحاول تصوير ما يحدث لصاحب مشروع صغير حين يجلس آخر الليل أمام حساباته.
في الاقتصادات التي تسعى إلى إنعاش نفسها، تُعامل المؤسسات الصغيرة باعتبارها بذورًا ينبغي أن تُسقى. يُقال لصاحب المشروع: جرّب، أخطئ، تعلّم، انهض من جديد. فنجاحك حتى وإن تأخر جزء من نجاح الصورة الكبرى.
أما لدينا، فقد تم تطوير التجربة إلى نموذج أكثر نضجًا وتنظيمًا. قيل سابقًا لأصحاب السجلات التجارية مهما كان حجمها: عليكم توظيف مواطنين حسب حجم السجل. فقال بعضهم ببراءة من لم يفهم عمق الفكرة بعد إن المشروع صغير، وإن الدخل بالكاد يغطي المصروفات، وإن المسألة تحتاج إلى تدرّج. ويبدو أن الصوت قد وصل.
فجاء قرار تنظيم رسوم تصاريح العمل وربطها بمؤشرات التعمين ليؤكد أن الحوار بين المواطن والجهة المنظمة قائم، وأن الملاحظات تؤخذ بعين الاعتبار، وأن الاستجابة لا تتأخر. في القرار السابق كان التوظيف إلزامًا مباشرًا. أما الآن فقد أصبح الأمر أكثر مرونة وإنسانية: أنت حُر تمامًا. يمكنك ألا توظف. لكن، وعند كل إجراء تحتاجه لتبقى على قيد النشاط (عند تجديد الإقامة، وعند تجديد الترخيص، وعند فتح ملف، وعند إغلاقه) ستدفع مبلغًا لا يقل عن تكلفة التوظيف نفسها، وربما يزيد قليلًا، فقط لتشعر بقيمة الحرية التي مُنحت لك. وبذلك لم يعد المشروع مطالبًا بالنمو، بل بالقدرة على التحمّل.
إنه تطور لافت في مفهوم الاختيار؛ فلم يعد السؤال: هل تلتزم أم لا؟ بل: بأي صورة تفضّل أن تتحمل التكلفة؟ أن تدفعها كراتب لموظف يعمل لديك، أم أن تدفعها، دون أن يعمل لديك أحد. لقد أصبح الالتزام خيارًا، والتكلفة إلزامية.
القرار الجديد لم يلغِ القرار السابق؛ بل حرّره من صرامته القديمة، وجعله أكثر اتساعًا في الخيارات.
لقد أصبح بإمكان صاحب المشروع الصغير أن يشارك في حلّ مشكلة البطالة، حتى وإن لم يكن لديه عمل يكفيه هو نفسه.
وفي الحقيقة، هذه نقلة فلسفية مهمة في فهم دور المؤسسات المتناهية الصغر في المجتمع؛ إذ لم تعد مجرد مشاريع تحاول البقاء، بل أصبحت أدوات للمساهمة في تحقيق التوازنات الكبرى.
فمحل حلاقة في زاوية حيٍّ شعبي، كرسيان ومِرآة ودخل يومي بالكاد يصل إلى نهاية الشهر، أصبح جزءًا من معادلة إصلاح سوق العمل من خلال تعيين مواطنٍ بوظيفةٍ إداريةٍ يتولّى من خلالها إدارةَ التدفقاتِ الماليةِ الهائلة التي تدرّ على المحل يوميًّا، ليتم ضَخُّها تبعًا لذلك في دعم السوق.
ومؤسسة يعمل صاحبها بيده، أصولها أقل من التزاماتها، أمست شريكًا في معالجة قضية التشغيل على مستوى وطني.
أما بطاقة “ريادة” بوصفها بوابة المستقبل فقد حافظت على دورها الحيوي بوصفها رسمًا سنويًا يذكّرك بأنك ما زلت ضمن المنظومة، إذ غدت شرطًا لإتمام كثيرٍ من المعاملات والتراخيص التي لا تُنجَز بدونها لمن يرغب. بطاقة أنيقة، تؤكد لك أنك رائد أعمال، حتى وإن كان مشروعك يبحث عمّن ينقذه. شيئًا فشيئًا، يتحول المشروع الصغير الذي يتمنى صاحبه أن يكون طريق استقلاله إلى تجربة بقاء من نوع خاص. لا علاقة لها بالسوق، ولا بالمنافسة، ولا بجودة الخدمة، بل بقدرتك على تحمّل الكلفة نفسها في جميع الأحوال.
إنها نسخة اقتصادية متطورة من الحكمة القديمة التي تقول: جميع الطرق تؤدي إلى النتيجة نفسها.
ولعل أجمل ما في المشهد أن القرار الأخير جاء بعد موجة الامتعاض من القرار الأول، في صورة تُطمئنك إلى أن صوتك مسموع، وأن الرد عليه ممكن، وأنه قد يكون أوضح هذه المرة وأقل قابلية لسوء الفهم. لم يعد أحد بحاجة إلى البحث عن طريقة للالتفاف. فكلا الطريقين، المستقيم والملتف يصلان إلى النقطة ذاتها. ولهذا لم يعد مستغربًا أن نسمع العبارة التي كانت تُقال قبل سنوات، “ربما الوظيفة أكثر أمانًا”.
مفارقة لا تحتاج إلى تعليق:
صاحب المشروع الصغير لا يفكر في تنويع الاقتصاد، ولا في المؤشرات الكبرى، ولا في الخطط بعيدة المدى. هو يفكر فقط: هل يستطيع أن يصل إلى نهاية الشهر دون أن يضطر إلى إغلاق الباب؟
وحين تتحول المحاولة إلى معادلة كلفة ثابتة، تصبح الوظيفة في نظره ليست خيارًا وظيفيًا،
بل صيغة أكثر أمانًا للحياة.
قد تكون هناك رؤية أكبر من زاوية النظر الضيقة هذه، لكن ما يراه صاحب المشروع الصغير مختلف تمامًا: محاولات تتوقف، وأبواب تُغلق بهدوء، ومساحات كانت يمكن أن تتحول إلى حركـة اقتصادية حقيقية تختفي دون ضجيج.
الحكاية هنا ليست حكاية اقتصاد، ولا قراءة في قرارات؛ بل حكاية بابٍ صغير كان يُفتح كل صباح.
حكاية إنسان حاول أن يصنع لنفسه طريقًا، فاكتشف أن الطريق نفسه يحتاج إلى قدرة على البقاء. حكاية مشروعٍ لا يحلم بأن يكبر، بل يحلم فقط أن يستمر.
بالتالي: أطرح سؤالًا لا اعتراضًا، بل محاولةً للفهم: هل يُراد للمشروع الصغير أن يكبر فعلًا، أم عليه أولًا أن يُثبت قدرته على النجاة تحت هذا الحصار التنظيمي؟
أم هي دعوةٌ ضمنية غير مُعلَنة للمواطن، صاحب المشروع الصغير إلى أن يتوقف وينسحب ويترك المجال للأكبر؟ وهل الأكبر أصلًا في منأى عن تداعيات هذه القرارات؟
ربما أن الحياة العملية لا تُبنى بالغرامات؛ بل بالثقة. ولا تزدهر حين يُدفع الناس إلى الوظيفة؛ بل حين يُتركـون يحاولون. وأخطر أنواع الحصار ليس الذي يُغلِق الحدود؛ بل الذي يُغلق الأبواب الصغيرة التي كان يمكن أن تُفتح.
لكن يبدو أن المشكلة لم تعد في القرار؛ بل في قدرة الحلم الصغير على البقاء حيًا.
