عبيدلي العبيدلي **
غير أن هذا التفاؤل يصطدم بسؤال جوهري يتجاهله غالبًا: من يملك هذه التكنولوجيا؟ فالتاريخ الاقتصادي لا يقول إن التقدم التقني يوزّع ثماره بعدالة تلقائية، بل يبيّن أن من يملك أدوات الإنتاج الجديدة هو من يجني النصيب الأكبر من العوائد. وهنا تظهر اخبار عمان المقابلة، التي يمكن وصفها بالإنسانية النقدية، وهي لا ترفض الذكاء الاصطناعي في ذاته، لكنها تحذّر من تحويله إلى سلطة مستقلة تتجاوز الإنسان. وفق هذا المنظور، لا توجد خوارزمية محايدة؛ كل نظام ذكي هو انعكاس للبيانات التي دُرّب عليها، وللقيم والمصالح التي صمّمه في إطارها البشر.
الواقع المعاش يقدّم شواهد قوية على هذه المخاوف. فقد كشفت دراسات متعددة أن أنظمة التوظيف الآلي استبعدت سيرًا ذاتية لنساء وأقليات بسبب تحيزات كامنة في بيانات التدريب، وأن أنظمة التعرف على الوجوه سجّلت معدلات خطأ أعلى بثلاثة أضعاف تقريبًا عند التعامل مع ذوي البشرة الداكنة مقارنة بغيرهم. وفي المجال القضائي، أظهرت تجارب في الولايات المتحدة أن خوارزميات تقييم “خطورة المتهمين” صنّفت أشخاصًا من خلفيات اجتماعية معينة على أنهم أكثر قابلية للجريمة بنسبة تزيد بنحو 2.5 مرة، اعتمادًا على بيانات تاريخية منحازة أصلًا. في هذه الحالات، لم يُلغِ الذكاء الاصطناعي الظلم، بل أعاد إنتاجه بصيغة رياضية يصعب الطعن فيها.
أما اخبار عمان الأكثر تشاؤمًا، فتذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطرًا وجوديًا على البشرية إذا فقد الإنسان السيطرة عليه. يستند أنصار هذا التيار إلى حقيقة أن بعض النماذج المتقدمة أصبحت تُتخذ قراراتها بطريقة لا يستطيع حتى مطوروها تفسيرها بالكامل، وهو ما يُعرف بـ “الصندوق الأسود”. ويستشهد هؤلاء بحوادث واقعية في الأسواق المالية، حيث تسببت خوارزميات تداول آلي في انهيارات حادة خلال ثوانٍ، وبالتطور المتسارع للأسلحة ذاتية التشغيل، حيث لم يعد القرار العسكري في بعض السياقات بشريًا بالكامل. السؤال الذي يطرحه هذا التيار ليس نظريًا: من يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية إذا اتخذ نظام ذكي قرارًا مميتًا؟
هذا الجدل الفلسفي يتشابك مباشرة مع صراع اقتصادي حاد. فالشركات الكبرى تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه “النفط الجديد”، موردًا استراتيجيًا يولّد ثروة غير مسبوقة. إذ تشير بيانات السوق إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي تجاوز 240 مليار دولار في العام 2023، مع توقعات بتجاوزه 1.8 تريليون دولار بحلول العام 2030. في الوقت نفسه، تسيطر مجموعة محدودة من الشركات على الجزء الأكبر من البنية التحتية اللازمة لتطوير هذه التقنيات، من مراكز البيانات العملاقة إلى الرقائق المتقدمة إلى المنصات السحابية. وتقدّر تقارير مستقلة أن أكثر من 70 % من القدرات السحابية العالمية تتركز في يد عدد محدود جدًا من الشركات.
انعكاسات هذا التركّز تظهر بوضوح في سوق العمل. فقد أعلنت شركات كبرى عن إيقاف أو تقليص توظيف آلاف الوظائف الإدارية بعد استبدالها بأنظمة ذكية. شركة واحدة في قطاع التكنولوجيا أعلنت تجميد توظيف نحو 7800 وظيفة إدارية، بينما صرّحت شركة خدمات مالية أوروبية بأن مساعدها الذكي أنجز عملًا كان يقوم به 700 موظف دعم. هذه الوقائع لا تعكس مجرد تحسين كفاءة، بل تحوّلًا بنيويًا في العلاقة بين رأس المال والعمل، حيث تتحقق الأرباح من الأتمتة بينما يتحمل العمال مخاطر البطالة وعدم اليقين.
وعلى المستوى الجيوسياسي، تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ساحة سباق عالمي يشبه في رمزيته سباق التسلح النووي في القرن العشرين. فالولايات المتحدة والصين تتنافسان ليس فقط على التفوق التقني، بل على فرض نموذجين مختلفين لإدارة البيانات والسلطة. النموذج الأميركي يميل إلى ترك القيادة للشركات والأسواق، بينما يتبنى النموذج الصيني مركزية أشد تعتبر البيانات موردًا سياديًا. هذا التنافس يثير قلق الدول النامية، التي تخشى أن تتحول إلى أطراف تابعة في نظام عالمي جديد، يعتمد على استيراد الخوارزميات بدل تطويرها، وعلى استهلاك المعرفة بدل إنتاجها، في شكل جديد من أشكال “الاستعمار الرقمي”.
وفي قلب كل ذلك، تبرز مسألة الثقافة والمعرفة. فقد تبيّن أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي دُرّبت على ملايين الكتب والمقالات والأعمال الفنية دون إذن صريح من أصحابها ودون تعويض عادل. هذا الواقع دفع كتّابًا وفنانين ومؤسسات إعلامية إلى رفع دعاوى قضائية، معتبرين أن ما يحدث ليس ابتكارًا بريئًا، بل تحويلًا للتراث الثقافي الإنساني إلى مادة خام لتراكم رأس المال.
في المحصلة، يتضح أن الانقسام العالمي حول الذكاء الاصطناعي ليس خلافًا حول الآلة ذاتها، بل صراعًا حول الإنسان الذي يقف خلفها. فالمسألة لا تتعلق بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر العالم، بل بكيفية هذا التغيير، ولصالح من، وبأي كلفة اجتماعية وأخلاقية. الذكاء الاصطناعي يحمل في طياته إمكانية غير مسبوقة لتحسين حياة البشر، لكنه يحمل أيضًا خطر تعميق الفوارق، وإعادة هندسة السلطة والثروة على نحو أكثر تركّزًا. والاختيار بين هذين المسارين ليس تقنيًا، بل سياسي وأخلاقي في جوهره، يتطلب حوكمة عالمية تضع الإنسان في قلب القرار، لا على هامشه.
** خبير إعلامي
