صادق بن محمد سعيد اللواتي

بينما كان العالم يتبادل التهاني ويطلق الألعاب النَّارية احتفالًا بقدوم عام 2026، كان هناك طفل في خيمة باردة يرتجف، لا من برد الشتاء؛ بل من رعب الصمت الذي يسبق القصف. وبينما كنَّا نُعد موائدنا العامرة، كانت هناك أمعاء صغيرة في غزة والسودان تلتوى من الجوع، وأعين غائرة جفت مآقيها من كثرة البكاء حتى لم تعد تقوى على ذرف دموع جديدة.

لقد سألني القراء الكرام: “وماذا عن تقدم السلبيات؟” والحقيقة المؤلمة هي أن إبداع البشر في “الاختراع” لم يوازه إبداع في “الرحمة”. كيف يحتفل العالم بالذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء، ونحن عاجزون عن إيصال رغيف خبز أو جرعة دواء لطفل يحتضر في دارفور أو يبحث عن أهله تحت أنقاض غزة؟

دعوني أكشف قليلًا من غطاء الطمأنينة الذي أنعم الله به على شعب عُمان من خلال قيادته الحكيمة، حتى نتمكن من دراسة جانب سلبي واحدة فقط من بين عشرات المآسي التي حدثت خلال عام 2025 والمتمثلة في: المجاعة والحروب:

وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن مثلث (الجوع، الحرب، والمرض) هو الذي رسم ملامح حياة ملايين الأطفال خلال عام 2025. وأوضحت المنظمة في تقريرها السنوي أن الأطفال في بؤر النزاع الساخنة مثل أوكرانيا، والسودان، وقطاع غزة يواجهون خطر الموت بشكل يومي.

ويصف كريستيان شنايدر المدير التنفيذي لليونيسف في ألمانيا، هذا الواقع بعد زيارته لعائلات في أوكرانيا قائلًا: “الأطفال في مناطق الحرب بعيدون تمامًا عن طفولة، فالخوف يسيطر على ليلهم ونهارهم، وكثير منهم يعانون من الاكتئاب، واضطرابات النوم، وتأخر النمو.”

مجاعات من “صنع البشر”

للأسف سجلت المنظمة لأول مرة حدوث مجاعة في بلدين خلال عام واحد، مؤكدة بمرارة أن هذه المجاعة في الحالتين كانت “من صنع الإنسان” بسبب الحرب والصراعات.

ففي مناطق من دارفور بالسودان، رصدت المجاعة خلال عامي 2024 و2025. وفي قطاع غزة، تم الإعلان عن مجاعة في بداية عام 2025 نتيجة الحرب والحصار الذي تفرضه إسرائيل؛ حيث يعاني 100 ألف طفل في القطاع من انعدام شديد للأمن الغذائي.

أرقام تدمي القلوب

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تم تسجيل أكثر من 35 ألف حالة عنف جنسي ضد أطفال خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، تزامنًا مع أسوأ تفش للكوليرا منذ 25 عامًا. قد يتساءل القارئ: من يرتكب هذه الجرائم، المستعمرون البرتغاليون السابقون؟ كلا، الكونغو ليست مستعمرة اليوم، معظم حوادث العنف الجنسي يرتكبها الجنود.

وتشير “يونيسيف” إلى أن عدد الأطفال في مناطق الأزمات لم يكن بهذا الحجم من قبل، إذ يعيش نحو طفل من بين كل خمسة أطفال في هذه الظروف، أي ما يقارب ضعف العدد في منتصف تسعينات القرن الماضي. كما سجلت الأمم المتحدة في عام 2024 أكثر من 41 ألف انتهاك صارخ ضد الأطفال، ولم تأت أرقام 2025 بأي بشارة خير في ظل استمرار الأزمات.

ونحن نطوي صفحة هذا التقرير المثقل بالأنين، تذكروا أن كل رقم قرأتموه ليس مجرد حبر على ورق، بل هو “نبض” كان ينبغي أن يحلم، و”ضحكة” وُئدت في مهدها. إن الـ100 ألف طفل الذين يصارعون الجوع في غزة، ولآلاف الذين سُلبت براءتهم، لا ينظرون إلى عام 2026 كروزنامة جديدة للمواعيد، بل ينظرون إليه كفرصة أخيرة للبقاء.. كصرخة استغاثة موجهة إلينا جميعًا. هل يدرك المسؤولون عن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ما يحدث لأطفال غزة، أم أنهم غارقون في النوم؟

إن أقسى أنواع الموت ليس ذلك الذي يأتي برصاصة، بل هو الموت الذي يأتي إهمالًا وصمتًا من عالم يشاهد احتضار الطفولة عبر الشاشات ثم يمضي لتمضية وقته بسلام. أما بالنسبة لأطفال غزة الذين لا يستطيعون الحصول على نوم هانئ في خيامهم التي تحولت إلى براكين مائية بسبب أمطار الشتاء، فإن هناك من هو غير مُبالٍ بهؤلاء الأبرياء.

ليكن عام 2026 عام “الصحوة الإنسانية”، ولنتوقف عن تسمية هذه الكوارث “أزمات سياسية”، ولنسمها باسمها الحقيقي: “جرح في قلب البشرية”. ففي نهاية المطاف، لن تُقاس عظمة إنسانيتنا بناطحات السحاب التي بنيناها، بل بما استطعنا إصلاحه في النفوس المحطمة لهؤلاء الأطفال. وبأي ذنب ارتكبوه ليتعرضوا لمثل هذا الوضع اليائس في طفولتهم البريئة. حسبي الله ونعم الوكيل، وهو خير مدبر للأمور.

رفقًا بالأرض.. ورفقًا بكل ذي كبد رطب.. ولعل القادم يكون أحن وأرحم.

 

شاركها.