محمد بن علي الرواحي
ليست كل معلومة تُتداول حقيقة، كما إن الحقيقة ليست دائمًا الأكثر حضورًا في زحام الأصوات، ففي زمن السرعة الرقمية، صار الانتشار معيارًا للصدق، وصارت الإثارة بوابة للقبول، بينما انسحبت الحقيقة بهدوء إلى الصفوف الخلفية، واثقةً بأن الزمن كفيل بإعادة ترتيب المشهد.
تولد الشائعة حين يغيب السؤال المسؤول، وتزدهر في الفراغات التي يتركها التسرّع، وتتغذّى على الانفعال أكثر من اعتمادها على المعلومة، لا تبحث عن الدليل، ولا تمنح العقل فرصة للتفكير، بل تُقدَّم غالبًا في صورة “سبق” أو “معلومة مؤكدة”، بينما هي في حقيقتها ظنٌّ متداول، أو قراءة مبتورة للواقع، ومع كثرة تداولها، تتحول من حديث عابر إلى قناعة زائفة، يصعب زحزحتها.
في المقابل، تقف الحقيقة على الضفة الأخرى، لا تصرخ، ولا تلهث خلف المنصّات، ولا تحتاج إلى حملات ترويجية لتثبيت حضورها، وقوتها في وضوحها، ومصداقيتها في اتساقها، وقدرتها على الصمود أمام السؤال والمراجعة، قد تتأخر في الوصول، وقد تُحاصر بالتأويل، أو الصمت، لكنها لا تتبدل ولا تنهار.
إن أخطر ما في الشائعات ليس كذبها فحسب، بل أثرها العميق في إنهاك الثقة العامة، وتشويش الوعي الجمعي، ودفع المجتمعات إلى مواقف، وردود أفعال مبنية على الانطباع لا المعرفة، وحين يصبح المتلقي ناقلًا دون تحقق، يتحول – دون قصد – إلى شريك في تضليل المشهد.
ولا تُواجَه الشائعات بالصوت الأعلى، ولا بالانفعال الآني، بل ببناء وعيٍ قادر على التمييز، وترسيخ ثقافة السؤال، وتعزيز مسؤولية التحقق قبل النشر، فالمجتمعات التي تحترم عقل الإنسان، تضيق فيها مساحة الزيف، ويتراجع فيها تأثير المعلومة المضللة مهما بدت مغرية.
وفي زمنٍ يُسوَّق فيه لكل شيء، تظل الحقيقة استثناءً أخلاقيًا نادرًا؛ لأنها لا تُصنَع، ولا تُجمَّل، ولا تُباع، يكفيها أن تُقال كما هي، وأن تجد من يحسن الإصغاء إليها، أما الشائعة، فمهما ارتفع صوتها، تبقى عابرة؛ لأن الزيف لا يدوم، ولأن الحقيقة، وحدها، لا تحتاج تسويقًا.
