سعيد بن عبدالله الدارودي

 

تعرَّض الشيخ الدكتور سعيد بن محمد الكَمَلي أحد أبرز الدعاة المعاصرين في العالم الإسلامي إلى حملة شرسة من بعض التيَّارات الشعوبية المرتبطة بالحركة الأمازيغية، بسبب تسجيل قديم له أشارَ فيه إلى أن أصول البربر ترجع إلى قبائل عربية يمنية حميرية، مستندًا إلى ما ورد في كتب التاريخ الإسلامي الكلاسيكية.

يتهم منتقدو الشيخ بأنه يساهم في «طمس الهوية الأمازيغية»، وأنه تجاوز تخصصه الديني. ليخوض في التاريخ والأنساب. لكن الحقيقة أن كلامه لم يكن اجتهادًا شخصيًا، بل نقل أمين لما ذكرته مصادر عريقة ومعروفة لدى المؤرخين.

الشيخ لم يدّعِ أنه مؤرخ متخصص، ولم يُلصق بهم هوية مصطنعة، بل نقل ما هو مدوّن في التراث؛ والعلم الحديث أكد هويتهم العربية ـ من خلال الاكتشافات اللغوية والثقافية ـ فعزّز بها الانصهار التاريخي، فصار البربر جزءًا لا يتجزأ من النسيج العربي الواسع، سبيكة ذهبية واحدة تجمعت بعد تفرق.

ولم يكن الكملي وحده في هذا الرأي فقد سبقه مفتي سلطنة عُمان الشيخ أحمد الخليلي الذي قال أمام جمع من البربر في ليبيا: “إنَّ أصولكم عربية وليست أعجمية كما تعتقدون”. وتتعدد القرائن الداعمة لهذا التقارب: 

* العمارة: المنازل البربرية التقليدية تشبه إلى حد كبير البيوت اليمنية في تصميمها وهندستها.

* الموسيقا والغناء: سنجد تشابهًا بين كل من الأغاني والموسيقا الشعبية في بعض المناطق اليمنية وأغاني وموسيقا البربر، وقد أكدت هذا التشابه الكبير دراسات حديثة لعلماء أوروبيين في مجال الموسيقا أقدمهم روبرت لخمان سنة 1922م ؛ وهانس هلفرتس الذي قام في النصف الأول من القرن العشرين 1933  1935م باختيار أغنيتين يمنيتين من محافظة صنعاء؛ الأغنية الأولي من منطقة بني إسماعيل في مديرية حراز والأغنية الثانية من منطقة بني مطر وتمت مقارنتهما بأغنيتين من أغاني البربر من منطقة القبايل في الجزائر، فوجد تشابهًا كبيرًا بينها وتماثلًا في الإيقاع والترنيمة وذكر هؤلاء العلماء بأن وجود هذا التشابه الكبير لا يحدث مصادفة، بل يحتم علي المرء افتراض وجود علاقة حميمة بين البربر واليمنيين، فالسمات الموجودة في الأغاني والألحان التراثية اليمنية موجودة تمامًا في الأغاني والألحان التراثية البربرية والتصفيق والمُحجرة، وتظهر بوضوح كامل في طرق أدائها وألحانها التي تتطابق تمامًا.

* الأزياء: أزياء نساء اليمن في بعض المناطق تكاد تتطابق مع أزياء نساء البربر.

* اللسان: اللهجات البربرية تتشابه وتتقارب مع لهجات ولغات المشرق العربي، القديمة منها والمعاصرة؛ معجمًا وصرفًا ونحوًا وتركيبًا. والباحث اللغوي المعروف محمد شفيق ـ الذي يُقدّس عند البربر الشعوبيين ـ أبدى حيرته عندما اكتشف تقاربًا واضحًا بين اللسان البربري والعربي. وثَّقه في بحث له بعنوان «ما هي علاقة المازيغية بالعربية في جذورها الكبرى؟» منشور عام 1976 ميلادي في مجلة «البحث العلمي»، أشارَ فيه إلى أنَّ «معجم لسان العرب» قال عن بعض المفردات المشتركة بين البربرية والعربية إنها كلمات حِمْيَرية (أو يمانية)، وأشار أيضًا إلى أن المغاربة الذين زاروا اليمن ذكروا بأن أصالة وإيقاعات الجُمَل في كلام اليمنيين أشبه شيء بما يُسمع اليوم في كلام البربر. وعن التقارب المعجمي الواضح سنكتفي بأمثلة من اللهجات اليمنية المعاصرة:                           

البربرية تامّازلا: السِّباق ــــ العامية اليمنية المُزاللة: السباق.

البربرية أركس: الخُفُّ يُلبس بالرجل عامةً ــــ العامية اليمنية الرَّقيص: الحذاء، النعل.

البربرية تاغونت: الحِبالة، أي الشَّرَك من الحِبال ــــ العامية اليمنية الغُوْنة: الحِبالة، وكذلك طيّة في طرف الحبل … (جمعها: غُوَن).

البربرية أغراو: الشريط من خوص مفتول ونحو ذلك (المعجم العربي الأمازيغي ـ محمد شفيق ـ الجزء الأول ـ صفحة 594) ــــ العامية اليمنية الأغراو: الحبال الرفيعة من الليف ونحوه (مفردها: الغَرْو).

* في ظفار جنوب سلطنة عُمان حروف قديمة غير مقروءة تُعدُّ بالآلاف، اكتشفها الباحث علي أحمد الشحري، ثم صمَّم جدولين لمقارنتها بالحروف الليبية والتيفيناغية، وسجَّل مقطعًا في (اليوتيوب) يعرض فيه الجدولين ويثبت فيهما تطابق أشكال الحروف الظفارية بأشكال حروف الأبجديتين تطابقًا تامًَّا، والجدير بالذكر أنَّ من يُدقِّق فيهما سيجد بعض هذه الحروف تنفرد بها الأبجدية الليبية، وأخرى تنفرد بها التيفيناغ، لكن الملفت للانتباه أنَّ هذه الأحرف المختلفة بينهما موجودة كلها في الحروف المكتشفة بجنوب سلطنة عُمان.

* في ظفار أيضًا، نجد صِيَغ الطوبونيميا البربرية شاخصة هناك، خاصَّة في المناطق الجبلية؛ فإليكم غيض من فيض هذه المسمّيات:

أشنقار أكوجال أنجودان أيت زربيج أت خُطِي شعيب أيت سعيد إكلو أشهيب أضاض أرير أقصقيص أشطو أحالا أرزوم أغبير أحسرين أغنجات إتوت أحمري أخضيار تدبور توسنات أحجير أزغاف أتشاشوط أرشنيال إزحي أغردام أهروك أضبيض إيكسات أفيدي أهليش أمحلا أمبروف.

تبقى كلمة أخيرة، وهي: إنَّ توعية الأجيال بعراقة البربر في العروبة ليست دعوة تعصب، بل واجب علمي وثقافي يقع على عاتق الباحثين وعلماء الدين والمثقفين والإعلاميين. فهل نتحمل المسؤولية وننقل الحقيقة التاريخية والعلمية بأمانة، أم نترك المجال للتشويه والتفرقة؟

شاركها.