كلثوم الحسنية
يولد الأمل في اللحظات التي يختبر فيها الإنسان معنى الصبر، ويختار فيها الصفاء رغم الضباب، فيدرك أن العناية الإلهية لا تمنع التعثّر، لكنها تمنع الضياع الكامل. فالأمل ليس وعدًا بأن الطريق سيكون سهلًا؛ بل قناعة راسخة بأن نهايته تستحق المحاولة، وأن كل خطوة تُخطى بصدق لا تضيع وإن بدت متأخرة.
وقد تتعقّد الرحلات، وتختلف النتائج عن التوقعات، ويقف الإنسان طويلًا أمام أبواب لا تُفتح في وقتها، فيحسب أن المسير أخطأ وجهته. غير أن ما يصنع الفارق الحقيقي ليس عدد المحاولات، بل صفاء الدافع الذي يحرّك الخطوة، ونقاء السبب الذي يجعل الإنسان يواصل السير حتى حين لا يرى ملامح الوصول.
هذا الأمر يحدث في تفاصيل بسيطة لا يلتفت إليها أحد. كأن يخرج الإنسان من موعد كان يعول عليه كثيرا، يحمل في داخله شعورا ثقيلا لا يُسمّى، ويقنع نفسه بأن الأمور لم تسر كما ينبغي. يعود إلى يومه، يمارس مهامه، ويواصل حياته وكأن شيئا لم ينكسر، لكنه في داخله يدرك أن بابا ما لم يُفتح. وبعد وقت، ومن دون تخطيط مسبق، يجد نفسه في موقع آخر، يقوم بدور لم يكن في حساباته، ويشعر بهدوء غريب لم يشعر به سابقا. عندها فقط يفهم أن ما تأخر لم يكن خطأ، وأن الطريق لم يكن يرفضه، بل كان يعيد توجيهه بهدوء.
إن الأمل لا يطلب من الحياة ضمانات، ولا يساومها على النتائج، بل يطلب من الإنسان صدقًا في المسير. والصدق هنا لا يعني المثالية ولا العصمة من الخطأ، بل يعني وضوح المنبع؛ أن يفعل الإنسان ما يفعل لأنه يؤمن به، لا لأنه مضطر لإثبات شيء للعالم، ولا لأنه يخشى أحكام الآخرين أو سباق المقارنات.
وكثيرا ما يُساء فهم التأخير، فيُفسَّر على أنه خذلان، بينما هو في جوهره إعداد. فبعض الطرق لا تتأخر لأنها صعبة، بل لأنها دقيقة، تحتاج قلبًا أهدأ، ونية أنقى، ونضجًا لا يُكتسب بالعجلة. وما يبدو تعطيلا في الظاهر، قد يكون ترتيبا خفيا يحفظ للروح توازنها قبل الوصول.
وفي خضم هذا المسير، يتعلّم الإنسان أن الهدوء ليس انسحابًا، بل وعيًا أعمق بطبيعة الطريق. فليس كل استعجال بطولة، ولا كل صبر ضعفًا، بل إن أعظم أشكال القوة أن يعرف المرء متى يتقدّم، ومتى يتأنّى، ومتى يترك للأيام أن تقوم بدورها دون مقاومة مُرهِقة. ومع الوقت، يكتشف أن بعض الإجابات لا تأتي حين نُطالب بها، بل حين نصبح مستعدين لفهمها. وحينها فقط، يدرك أن الرحلة لم تكن اختبارًا للوصول، بقدر ما كانت تدريبًا على الاتزان، وأن ما تغيّر في داخله أهم بكثير مما تغيّر حوله.
ولعل هذا المعنى يتجلّى في قوله تعالى: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ”. فليس كل ما نتأخر عنه شرًا، ولا كل ما نُمنع منه خسارة، فبعض الخير يأتي متخفيا في هيئة صبر، وبعض النجاة لا تُرى إلا بعد مسافة.
ومن بين كل القوانين التي قد يختلف عليها الناس، يبقى قانونٌ واحد ثابت: أن الصادق يصل.
يصل لأنه لم يسمح للوهم أن يقوده، ولم يسمح للنوايا أن تتلوّث، ولم يركض في الحياة هاربًا منها، بل ركض فيها مؤمنًا بها، وبنفسه، وبما زرعه في داخله من يقين.
وقد يتأخر الصادق في الوصول، لا لأن الطريق خذله، بل لأن الطريق كان يهيّئه. وقد تتبدّل هيئة الأشياء، وتتغيّر ملامح الحلم، لكن الثابت أن الصدق لا يخيب، وأن من يمشي إلى الحياة بقلبٍ سليم، تمشي إليه الحياة بلطفٍ مضاعف، حتى وإن جاء ذلك اللطف على مهل.
ولهذا، لا يُقاس الوصول بسرعة الخطى، ولا بعدد الأبواب التي فُتحت، بل بسلام القلب وهو يعبر. فحين يكون القلب سليمًا، والنية صادقة، تصبح الطرق مهما تعرّجت جزءًا من العطاء لا عقبة في وجهه. ومن يمشي إلى الحياة بصدق، لا يسبقها ولا تسبقه، بل يلتقي معها في الوقت الذي يليق به، حين يكون جاهزًا ليحمل ما يصل إليه، دون أن ينكسر.
