د. إسماعيل بن صالح الأغبري

يبدو أنَّ عام 2026 لن يكون أفضل حالًا من العام الذي طُويت صفحاته بأكوام من المآسي، وأطنان من الأحزان؛ فالغرب الموسوم بـ”المُتحضِّر” كان أحد أسباب ذلك ودواعيه، وأبرز المخالفين للمواثيق الدولية والأعراف الأممية، منتهكًا سيادة الدول، أو داعمًا لدول تُمارس أبشع الجرائم وحرب الإبادة، واتباع ما يُسمى بسياسة الأرض المحروقة أو ما يسمى في الشريعة الإسلامية بإهلاك الحرث والنسل.

افتتاحية هذا العام غير مُبشرة، وما يُطلق عليه على رأس كل عام ميلادي برسالة السيد المسيح للسلام في العالم تبقى احتفالية لا تتجاوز أعياد الميلاد عند من يحتفي بها على رأس كل عام أو هي محصورة فقط في الأديرة والكاتدرائيات، أما في الواقع فلا تسمع إلا أزيز الطائرات وامتلاء البحار والمحيطات بالغواصات وكأنها أسماك القرش تطفو على سطح البحر لكنها تختلف عنها في أن تلك طافية ميتة أما هذه فتبعث الأحياء إلى الموت أو تقتل طموح الدول في الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي.

قبل نهاية العام المنصرم توالت إرهاصات أن الحُكم للقوة، وليس للشرعية أو الشرعة الدولية، تهديد لدول بضرورة السمع والطاعة دون مُناقشة أو حوار أي بمعنى التسليم التام للأقوى، كما توالت أنواع من التحريض للشعوب من أجل الخروج على الأنظمة الحاكمة، والتي لها مع الغرب صولات وجولات من أجل إخضاعها سياسياً واقتصادياً وثقافياً أي تغيير الأيديولوجيات الحاكمة من أجل أن تصير نسخة طبق الأصل من عولمة الغرب وثقافته.

لعلَّ أبرز حدث في صدر شهر يناير من هذا العام هو سقوط الاشتراكي “المتمرد” على الغرب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، على أن إسقاطه وبتلك الصورة الخيالية لم تكن الحادثة الأولى؛ فقد سبقتها حادثة بنما ونيكاراجوا. أما العراق وأفغانستان فإن إسقاط أنظمة الحكم التي كانت قائمة بها صاحبتها دماء غزيرة وتحت تهم وذرائع مختلفة.

أمريكا اللاتينية أو أكثرها تعيش على صفيح من لهب؛ فهي ذات أنظمة حكم لا يرغب الغرب عمومًا في وجودها، وعدد منها تعوم على ثروات تحت الأرض وفوق الأرض، وعالم الغرب أعينه ترنو إليها، كما أن هذه الدول ذات صلات أيدلوجية بالصين وروسيا الخصم اللّدود لأمريكا والغرب، إضافة إلى أنَّ هذه الدول لها مواقف رسمية من حركات التحرر وخاصة من أشكال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

فنزويلا أكثر دولة في العالم تعوم على الذهب الأسود “النفط” ومادورو ومن قبله سلفه هوجو تشافيز، من أكثر الزعامات ظهورًا وتصريحًا واستفزازًا واعتدادًا بالذات، وهو ما لا ترغب فيه أمريكا والغرب عمومًا.

فجر يوم السبت 3/1/2026 كان آخر يوم للرئيس مادورو كرئيس لتلك الدولة الغنية نفطًا والمختلفة أيديولوجيًا مع الغرب، والقريبة حسب الظاهر من الصين وروسيا.

تعددت أسباب الإطاحة به؛ تارة بتهمة إغراق أمريكا بالمخدرات، وتارة وصف نظامه بـ”الإرهابي”، وتارة بأنه يجب ألا يجاور أمريكا أو يكون قريبًا منها نظام حكم مُعادٍ لها وللغرب؛ أي بمعنى ضرورة حفظ الأمن القومي ولو كان ذلك خارج الحدود، وبذلك فإنه يكون حجة لكل دولة تظهر بجانبها قوة تهدد أمنها.

ويخلص المراقبون لما جرى من أحداث إلى نتائج مختلفة منها:

1) أنْ لا هيبة للمؤسسات الدولية، وأن القوة لا التشريعات ولا الشرعية هي الحَكَمُ والحُكْمُ.

2) المجالس التشريعية في الغرب أشبه ما تكون بالزينة أو القلادة الذهبية التي تطوق العنق؛ أي أنها آخر ما تلجأ إليه الأنظمة في الغرب، ولا أدل على ذلك مما وقع، إضافة إلى أن تلك المجالس وفي دول غربية كثيرة أصدرت بيانات تدعو إلى وقف إمداد إسرائيل بالعتاد، إلّا أن دول الغرب لم تزل حتى الساعة تُموِّل إسرائيل بالعتاد، وجعلت الشرعية عبر المجالس التشريعية كأن لم تكن، وقد يستعين بها الغرب لما يخدم مصالحه فقد يتخلص أو يتملص من اتفاقيات أو عهود بدعوى أن التصويت جرى ضدها، وأن الحكومات الغربية تحترم إرادة المجالس التشريعية؟!!

3) سيادة الرأي الواحد في قيادة الأمم أو عموم السياسة والثقافة والاقتصاد والأيديولوجيات، فلا مكان للأيديولوجيات الاشتراكية أو الإسلامية في عالم اليوم، وإنما العصر عصر ما أُريكم إلّا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

4) الاستيلاء على ثروات الدول ما كان تحت الأرض أو فوقها بالقوة أو بالضغط الاقتصادي فإما أن تأتي تلك الشركات الغربية حسب شروطها، وإما فإن التلويح بالقوة سيكون السلاح الفاعل أو التلويح بالعقوبات الاقتصادية حتى الركوع لمطالبها هو السبيل لامتصاص تلك الثروات.

5) التدخل في شأن الدول حتى تدخل في طاعة القوى الكبرى إما بتهديد أنظمتها مباشرة كما وقع في أمريكا اللاتينية وإما بتحريض الشعوب لإسقاط الأنظمة كما يقع في إيران أو بفرض أقصى الضغوط كما يقع على لبنان أو التهديد بـ”جهنم” كما يقع على غزة إن لم تستسلم.

6) إسقاط الأنظمة بدعوى أنها غير ديمقراطية أو ظالمة للشعوب أو بالغة القمعية، وتلك معايير مزدوجة؛ فالغرب الداعم الأساس لإسرائيل، وهو الأُكسجين والشرايين والدم المغذي لها، ثم ما هو المعيار لتصنيف هذا النظام بأنه ظالم قمعي، وغيره ديمقراطي شوريّ؟ أليس قربه من الغرب أو بعده هو المحدد لهذا التصنيف؟!!

7) انهيار أشكال المقاومة لكل محتل أو طامع في ثروات الدول والشعوب، بل ستصبح الدول تتخوف من مجرد التعبير عن دعم كل راغب في التخلص من نير الاحتلال.

8) حذر الدول التي قد تأوي قوى المقاومة، فإنه قد ينالها تصنيف دعم الإرهاب أو إيواء الجماعات الإرهابية؟!! ما يعني محاولة الغرب وَأْد كل صوت يعترض على الاحتلال أو يدعم قوى معارضة الاحتلال.

9) ضرورة أن تكون الدول موالية للقوة وليس للشرعية أو التشريعات الدولية، وبذلك ترسي هذه الدول ما كان سائدًا أيام القوتين العظميين أمريكا والاتحاد السوفيتي، وتعمق بأنه لا يصير إلى المحافل الدولية ولا يتحاكم إليها إلا من لم يستطع التحليق بالقوة؛ فالصيرورة إلى تلك المحافل صيرورة عاجز، ولذلك شواهد كثيرة فإسرائيل لم تحتكم إلى تلك المحافل بل تنتزع ما تريد بقوة الحديد والنار غير آبهةٍ بالقرارات والاجتماعات، وأمريكا ذاتها لا تعبأ بتلك المحافل وما غزو العرق وأفغانستان وبنما ثم فنزويلا إلا أدلة شاهدة على ذلك.

10) الاستهانة وإهانة الحكام جميعًا من خلال إظهار الرئيس الفنزويلي مُكبّلًا بالقيود، وكان المُراد من تصويره إرسال رسائل مفادها بأن من يقول لا سيكون مصيره كهذا المصير وهو من باب المثل العربي: “إياك أعني وافهمي يا جارة”.

11) المتدثر بروسيا والصين عريان، فقد تهاوت كثير من معاقلهما، وسقطت أعداد من أنظمة الحكم الموالية لهما، وتلاشت أيديولوجيات حكم كانت تتخذهما قدوةً، ولا أدل على ذلك من القذافي وصدام حسين وبشار الأسد ودول أمريكا اللاتينية، وحتى إيران التي كانت المُنقِذ والمُخلِّص لروسيا خلال بدايات الحرب بين روسيا وأُكرانيا عن طريق طائراتها المسيرة “شاهد”، فإنها لم تحظ بالحماية من روسيا، خلال تصيُّد إسرائيل لكوادرها ومواقعها في سوريا، ثم لم تحظ بموقف ولو لفظي قوي خلال عدوان إسرائيل عليها، فضلًا على أنهما لم تدعما إيران دعمًا حقيقيًا عن طريق السلاح.

وخلاصة القول.. إن القوة هي الرادعة العسكرية والاقتصادية إلّا أن الغرب كذلك يتنبه لهذه المكامن؛ لذلك يبصر هذه الدول باستخباراته ومراكز بحوثه، فيخنُقها قبل أن تُصبح ماردًا يصعب حبسه في قُمْقُمِهِ.

شاركها.