خالد بن حمد الرواحي

سبق أن تناولتُ في مقال بعنوان «حين يُتعبنا المكان» كيف يُمكن للمناخ الذي نعمل فيه أن يتحوّل بهدوء إلى مصدر قلق واستنزاف نفسي، لا بسبب حجم العمل، بل بسبب طريقة إدارة العلاقات، وانتقال المعلومة، وحدود العدالة داخل المؤسسة.

في هذا المقال، أواصل الفكرة من زاوية أكثر تحديدًا، أقترب فيها من القيادة نفسها بوصفها أحد أهم العوامل التي تُشكّل هذا المناخ: كيف تُخفّف عنه… أو كيف تُرهقه.

ليس كل تعبٍ في العمل ناتجًا عن كثرة المهام أو ضغط الوقت. كثيرٌ من الإرهاق مصدره القيادة نفسها، حين تتحول من إطار دعم إلى مصدر استنزاف.

في بعض البيئات، يُدار العمل بالتفاصيل لا بالثقة. يُراقَب كل قرار، وتُسأل كل خطوة، ويُعاد فحص كل اجتهاد قبل أن يكتمل. هنا لا يعمل الموظف وهو يشعر بالمسؤولية، بل وهو يشعر أنه تحت المجهر. ومع الوقت، تتحول المبادرة إلى مخاطرة، والإبداع إلى قلق.

وفي بيئات أخرى، يغيب التوجيه تمامًا. لا معايير واضحة، ولا تغذية راجعة، ولا تصحيح في الوقت المناسب. يعمل الموظف في فراغ من التوقعات، ثم يُفاجأ بتقييم سلبي لم يُمهَّد له. هنا لا يشعر أنه أخطأ، بل أنه حُوكِم على قواعد لم تُعلَن.

وهناك نمط ثالث يحتكر النجاح لنفسه، ويُحمِّل الخطأ لغيره. تُنجز الفرق، ثم يُختصر الجهد في اسم واحد. وحين يقع خلل، يصبح الخطأ فرديًا والنجاح شخصيًا. في هذه البيئات، لا تُقتل الدافعية فقط، بل تُقتل العدالة داخل الفريق.

وهنا يصبح السؤال: ما الذي يصنع القائد أصلًا؟

القيادة ليست موقعًا ولا لقبًا، بل معادلة بين مهارتين متكاملتين: إنسانية تفهم قبل أن تحكم، وتبني الثقة والانتماء؛ وصلبة تُخطط وتُقرّر وتُحوّل اخبار عمان إلى نتائج. اختلال هذا التوازن يصنع قائدًا مجاملًا بلا حسم، أو حازمًا بلا إنسانية وفي الحالتين لا تُبنى فرق مستقرة ولا تُصنع مؤسسات متوازنة.

لكن حتى حين تتوفر المهارات، يبقى هناك مستوى أعمق يحدد شكل القيادة في الحياة اليومية: مستوى الوعي والإدراك، الوعي هنا هو متابعة التفاصيل، والإدراك هو فهم الصورة الكبرى.

قائد شديد الوعي يتابع التفاصيل بدقة، يقلّل الأخطاء، لكنه يخلق بيئة مشدودة عالية التوتر.

بينما قائد عالي الإدراك يفهم المسارات، يثق بالفرق، يركّز على النتائج، ويصنع بيئة أكثر استقرارًا وانتماءً.

لا أحدهما صواب مطلق ولا الآخر خطأ مطلق؛ السؤال: أيهما أنسب للمكان والناس، وأيهما يخدم الاستمرار لا الأرقام فقط.

لكن هناك أنماط ليست اختلافًا في الأسلوب، بل خطرًا أخلاقيًا وتنظيميًا: النرجسية، وانعدام التعاطف، وغياب الأخلاق ما يُعرف في علم النفس الإداري بـ “الثالوث المظلم”. هنا لا تُرهق البيئة فقط، بل تُسمِّم المعنى، وتكسر الثقة، وتُحوّل العمل إلى حالة دفاع نفسي يومية.

الفرق بين قائد يُرهقك لأنه شديد، وقائد يؤذيك لأنه مظلم، فرق جوهري: الأول يمكن التكيّف معه أو تطويره، لأنه يُخطئ في الأسلوب، أما الثاني فهو استنزاف طويل الأمد للإنسان قبل المؤسسة، لأنه يُفسد المعنى لا الإجراء فقط.

في النهاية، لا تُقاس القيادة بما تحققه وحدها، بل بما تُبقيه حيًا فيهم: من ثقة، ومعنى، ورغبة في العطاء. فالمؤسسات لا تنهض بقوة القرار فقط، بل بقوة الأثر الذي يتركه هذا القرار في الناس، وبقدرتِه على أن يُبقي فيهم رغبة أن يأتوا إلى العمل صباحًا وهم يشعرون أنهم جزء من شيءٍ يستحق.

 

شاركها.