عائض الأحمد

حينما تستلقي وحيدًا، تراقب سقف غرفتك، يكون ذهنك شاردًا حدّ اللاشيء. لا فكرة تُنقذك، ولا صمتٌ يُريحك. تتكدّس الأسئلة بلا صوت، وتثقل صدرك كأشياء لم تُخلق لتُقال، فتدرك متأخرًا أن اللاشيء ليس فراغًا كما يُظن، بل امتلاء لا يُحتمل، وأنك لا تُفكّر لأنك تريد، بل لأن التوقّف صار مستحيلًا.

يمضي يومٌ بعد آخر، ولا يكاد يوم يُطوى إلا ويُطوى معه حلمٌ شارد. يراك من حولك في يقظةٍ متأخرة، كأنك من اختار هذا الشرود، وكأن اللاوعي لم يكن شريكًا خفيًا في ما فعل بك. تُلام على صمتك، ويُساء فهم تعبك، لأن التعب الذي لا يصرخ لا يُرى.

وفي لحظات الغياب الوجودي، يأتيك حنين العودة إلى خلوة الطفولة، إلى احتضان الأحلام القديمة، حين كنت تصحو مبتسمًا، مهرولًا نحو والدتك، متسائلًا ببراءة عمّا حدث لك. سؤالٌ بسيط، لكنه الأثقل: متى تغيّر كل هذا؟

تمضي الأيام وأنت تُتقن دور المتماسك؛ تضحك في مواضع محفوظة، وتُخفي شرودك خلف عبارات جاهزة، كأن النجاة تمثيلٌ طويل بلا تصفيق. لا أحد يسأل عمّا يُفكّر فيه الصامت، ولا عمّا يُنقذ من يُجيد الاحتمال، فاللاشيء لا يلفت الانتباه، إلا حين يتحوّل داخلك إلى كلّ شيء.

وحينما علمتُ أن أحدهم باع لوحةً أسماها «اللاشيء»، صفّقتُ إعجابًا وإكبارًا؛ فقد أمضى وقتًا وجهدًا ليُقنع العالم بأن ما لا يُرى قد يكون أثمن مما يُعرَض.

وتكتشف أخيرًا أن أكثر ما يُرهقك ليس اللاشيء ذاته، بل محاولتك الدائمة أن تبدو طبيعيًا وأنت غارق فيه. أن تبقى واقفًا بينما تُستنزف من الداخل، وأن يُختصر تعبك في كلمة: شرود.

سقيم، يصرف وصفاته الطبيّة، وكليم يؤثر الصمت خشية الزلل، لم يعد الشيء بالشيء يُذكر، بل يُنسى، ويُنسب إلى من هم أَجدرُ صراخًا، وأقسى حلمًا، وأشدّ تواضعًا في الادّعاء. هكذا يُكافأ الصمت بالتجاهل، ويُحاسَب الاحتمال كأنه ذنب.

لها:

أن ترى تعبك شرودًا، ولا ترى كم كلفك البقاء واقفًا.

 

شيءٌ من ذاته:

أن يُشيّع أحلامه كل مساء، ويمضي كأنَّ شيئًا لم يُدفن.

شاركها.