أمل بنت سيف الحميدية

 

لم يعد تمكين المرأة شأنًا اجتماعيًا محدود الأثر، بل أصبح أحد المحركات الأساسية للتنمية الشاملة وجودة السياسات العامة واستدامة الأداء المؤسسي. ومع تسارع التحولات الاقتصادية وتزايد متطلبات سوق العمل، بات تمكين المرأة ضرورة تنموية ترتبط بكفاءة استخدام رأس المال البشري، لا مجرد استجابة لمطالب المساواة أو التمثيل الرمزي. وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن ارتفاع مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والقيادية يرتبط بتحسن مؤشرات التنمية البشرية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
ويُعرّف تمكين المرأة في الأدبيات الدولية بوصفه عملية متعددة الأبعاد تهدف إلى تعزيز قدرة النساء على الوصول إلى الموارد، والمشاركة في صنع القرار، والتأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة (2010) بأن التمكين لا يقتصر على إتاحة الفرص، بل يشمل إزالة العوائق التنظيمية والثقافية التي تحدّ من الاستفادة الكاملة من قدرات النساء في سوق العمل والقيادة.
وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2017)، تتداخل تحديات تمكين المرأة عادةً بين عوامل تنظيمية وأخرى اجتماعية ومؤسسية. ومن أبرزها غموض مسارات الترقي، وضعف التوازن بين العمل والحياة، وغياب السياسات المرنة، إضافة إلى محدودية تمثيل النساء في مواقع صنع القرار. وتُعد هذه العوامل جزءًا مما يُعرف بـ«الاختلالات الهيكلية في بيئات العمل»، والتي تؤثر في استدامة مشاركة المرأة، حتى في السياقات التي تشهد ارتفاعًا في مستويات
وتشير تقارير دولية إلى أن مشاركة النساء في مواقع القيادة تُسهم في تحسين جودة الحوكمة وتعزيز الابتكار المؤسسي؛ إذ يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير التنمية البشرية: المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة (2016) أن التمكين الاقتصادي والقيادي للمرأة يرتبط بارتفاع مؤشرات التنمية البشرية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. كما تبيّن هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقرير تحويل الوعود إلى أفعال: المساواة بين الجنسين في «أجندة 2030» للتنمية المستدامة (2018) أن تعزيز حضور النساء في مواقع صنع القرار يدعم قدرة المؤسسات على استيعاب التنوع وإدارة الأزمات بمرونة أعلى. وتدعم هذه النتائج ما خلصت إليه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير المرأة في القيادة: تحسين التوازن بين الجنسين في صنع القرار (2017)، الذي يؤكد أن التوازن بين الجنسين في القيادة يُسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسسي وجودة السياسات العامة.
ومن زاوية «التمكين وبيئة العمل»، يتضح أن بناء بيئة عادلة وآمنة تنظيميًا يُعد عاملًا هامًا في تعزيز مشاركة المرأة واستدامتها في مواقع المسؤولية. وفي هذا الإطار، تتقاطع الجهود الوطنية في سلطنة عُمان مع متطلبات التمكين من خلال تحديث التشريعات وتعزيز مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص. وتنسجم هذه التوجهات مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 التي تؤكد على الاستثمار في رأس المال البشري، وتمكين المرأة والشباب، وتعزيز مشاركتهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتبدأ عملية تمكين المرأة بإجراءات مؤسسية واضحة، من بينها اعتماد سياسات ترقٍ شفافة، وتوفير بيئات عمل مرنة، وتطوير القيادات الإدارية على مبادئ العدالة والدعم المهني، إلى جانب إتاحة فرص التدريب وبناء القدرات القيادية. كما يُسهم الوعي المجتمعي بدور المرأة في ترسيخ ثقافة مؤسسية داعمة تقلل من الفجوات وتُعزز الثقة والمشاركة.
وفي السياق العُماني، شهدت العقود الماضية توسعًا ملحوظًا في تعليم المرأة وانخراطها في سوق العمل، ما انعكس في حضورها المتزايد في قطاعات حيوية كالتعليم، والصحة، والإدارة العامة، وريادة الأعمال. وقد أسهم هذا التقدم في تقلد المرأة العُمانية مناصب قيادية وإشرافية، والمشاركة في المجالس والمؤسسات الوطنية، بما يعكس تحولًا تدريجيًا في بنية المشاركة المجتمعية وصنع القرار، ويؤكد تنامي الوعي بأهمية التمكين بوصفه مدخلًا للتنمية المستدامة.
وتمكين المرأة الفعلي لا يتحقق بمجرد إتاحة الفرص الوظيفية، بل يرتبط بوجود بيئة تنظيمية داعمة تعالج العوامل الهيكلية المؤثرة في استدامة المشاركة القيادية. وفي تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المرأة في القيادة: تحسين التوازن بين الجنسين في صنع القرار (2017)، تُعزى الفجوات التي تواجه النساء في الوصول إلى مواقع القيادة إلى عوامل تنظيمية، من أبرزها غموض مسارات الترقي الوظيفي، وضعف التوازن بين العمل والحياة، وغياب السياسات المرنة الداعمة للمرأة العاملة، وهي تحديات تؤثر بصورة مباشرة في استمرار مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار والقيادة.
وتبرُز هنا أهمية الأُطر التشريعية والسياسات الوطنية في معالجة هذه الفجوات. فقد اتجهت سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة إلى تحديث منظومة العمل وتعزيز مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص، في انسجام واضح مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، التي تضع الإنسان في صدارة أولويات التنمية، وتؤكد على تمكين المرأة والشباب بوصفهم محركين أساسيين للنمو. ومن منظور مجتمعي أوسع، فإن تعزيز دور المرأة في القيادة يسهم في ترسيخ ثقافة العمل التشاركي، ويعزز ثقة المجتمع في المؤسسات، كما يدعم بناء نماذج ملهمة للأجيال الشابة، ويُسهم في إعادة تشكيل التصورات النمطية حول أدوار المرأة في المجال العام.
خلاصة القول.. إنّ تمكين المرأة العُمانية في مسارات التنمية والقيادة لم يعد خيارًا تكميليًا أو مطلبًا مرحليًا؛ بل ركيزة أساسية لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة. ومع توافر الإرادة السياسية، وتحديث التشريعات، وتنامي الوعي المؤسسي، تتسع الفرصة لترسيخ بيئة عمل أكثر شمولًا، تستثمر الكفاءة الوطنية دون تمييز، وتُترجم عمليًا أهداف التنمية وبناء الإنسان في سلطنة عُمان.

شاركها.