حاتم الطائي
◄ المنظومة التعليمية والتربوية المتكاملة تتطلب تكاتف كل الجهود لإنجاحها
◄ التعليم يستهدف بناء الإنسان المُستنير القادر على مُواجهة التحديات
◄ الإسراع في التوسع بالتعليم المهني ضرورة لا غنى عنها
يتجدَّدُ الحديثُ عن تطوير التعليم كل عام مع بدء العام الدراسي، وانطلاق مئات الآلاف من أبنائنا الطلبة والطالبات نحو مدارسهم ومؤسساتهم التعليمية والأكاديمية، واضعين نصب أعينهم هدفًا ساميًا وهو النهل من العلوم والمعارف لكي يشقوا طريقهم نحو مُستقبل أكثر رخاءً وازدهارًا.
والتعليمُ ليس فقط مدرسة وطالباً ومُعلِّماً، وإنما منظومة تعليمية وتربوية متكاملة، تتكاتف من أجل نجاحها كل الجهود، وعلى مختلف الأصعدة، بدءًا من البيت مرورًا بالمدرسة وليس انتهاءً بالمُعلِّم؛ بل تشمل هذه المنظومة وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وكل ما يتعرَّض له الطالب أثناء حياته. لكن التعليم في جوهره وجذوره، قائم بصورة أساسية على ما يحصل عليه الساعي للتعلُّم من علوم، وما يستوعبه من أفكار، في جميع مناحي العلم والحياة؛ فالتعليم فلسفةٌ في الأساس، وليس فقط منهاجاً يُدرَّس، التعليم ركيزة للانطلاق نحو الآفاق المستقبلية التي تحمل الغد المُشرق لكل من يسلك دربه.
ونحن في سلطنة عُمان، وعلى مدى ما يزيد عن خمسة عقود من التنمية والنهضة، وصلنا لمستويات مرتفعة من النهضة التعليمية التي شملت كل أجزاء المنظومة، لكن وفي ظل تطور الحياة المُتسارع من حولنا، والمُتغيرات التي تطرأ على قطاع التعليم، بفضل الثورة التكنولوجية الحديثة في عصر الذكاء الاصطناعي والتحوُّل الرقمي بات لزامًا أن تتضاعف الجهود من أجل مواكبة هذه التطورات، ليس فقط على صعيد توظيف التقنيات؛ بل أيضًا أن نكون مُنتجين لها، ومُستفيدين من تطورها الهائل.
لذلك نرى أن تطوير التعليم في عُمان، لا بُد أن يقوم على 3 ركائز أساسية، كما يلي:
أولًا: تطوير المناهج، ولا شك أنَّ هذا الجانب يُمثل الجزء الأكبر من عملية التطوير الشاملة التي يأملها المجتمع بأسره، بدءًا من ولي الأمر الذي يُريد أن يحصل أبناؤه على تعليم مُتميز عالي الجودة وفق أعلى المعايير العالمية، بما يُؤهلهم لخوض غمار سوق العمل والحياة عامة وهم مُتسلحين بما يُساعدهم على النجاح والتميُّز. وكذلك المُعلِّم الذي يأمل أن يمارس مهمته ويؤدي رسالته على أكمل وجه، في بيئة تعليمية يجد فيها المكافأة على جهوده، التي لا يجب النظر إليها على أنها وظيفة؛ بل مهمة رسالية من أجل الصالح العام.
ومن هنا نرى أنَّ تطوير التعليم يجب أن يكون من أولويات المرحلة، من خلال التركيز على بناء الإنسان المُستنير القادر على مواجهة تحديات العصر؛ الأمر الذي يتطلب أن تتمحور فلسفة التعليم حول ترسيخ حُب العِلم في نفوس الطلبة، وغرس الفضول لديهم للحصول على المعرفة، وتوسيع مداركهم للنهل من شتى العلوم. ولن يتحقق ذلك دون وجود الشغف بالعِلم وتعلُّم المهارات المُختلفة، وهو ما يتطلب وضع مناهج تُنمِّي التفكير النقدي القائم على الفهم والوعي بالأبعاد المختلفة للمواد الدراسية، بعيدًا عن التلقين والحفظ، وإجبار الطالب على إجابات صماء دون تفكير أو طرح رؤى مُغايرة.
وفي ظل التطورات الحالية، وتحديدًا الثورة المعرفية الهائلة المُتاحة بكبسة زرٍ، لم يعد مقبولًا أن تظل المناهج مُثقلة بالمعلومات والحشو الزائد، وأن تتحول إلى مجرد “كُتُب” تعج بالصفحات المليئة بمؤلفات وضعها أساتذة جامعات بطريقة أكاديمية لا تتناسب مُطلقًا مع مستوى فهم الطالب، خاصةً في الصفوف الأولى من التعليم الأساسي. وهذا ليس تقليلًا من شأن مؤلفي الكُتب؛ بل دعوة صريحة لإشراك المُعلِّمين في المدارس في صياغة وتأليف الكُتب، لأنهم الأكثر قربًا وفهمًا ووعيًا بعقلية الطلبة.
والمراجعة الشاملة للمناهج لا يجب أن تنحصر في إجراءات موسمية، قبل بداية العام الدراسي كل عام، ولكن نريد أن تكون هذه المراجعة نهجاً مُستداماً، قبل وأثناء وبعد انتهاء العام الدراسي، بما يضمن التحديث المستمر وفقًا للمُتغيرات.
وبالتوازي مع تطوير المناهج، علينا أن نُحدِث تطويرًا مُماثلًا في المباني المدرسية، فالطراز المعماري الذي ما زلنا متمسكين به، يجب أن يتغيَّر، وأن يكون بناء المدارس قائماً على فلسفة التعليم، وليس فقط وجهة نظر المهندس أو المقاول، حتى لو كانت تتماشى مع معايير الأبنية التعليمية. والتصميم المفتوح مع الأسقف العالية في المدارس هو الأفضل؛ بما يضمن تحويل هذه المؤسسات التعليمية إلى فضاءات مفتوحة للطلبة، تُتيح لهم حرية التفكير وتوحي لهم بأن لا حدود لآفاق التعليم.
وتطوير المناهج، يستدعي الحديث كذلك عن جودة التعليم، ولا نُنكر أن عُمان قطعت شوطًا كبيرًا على مضمار الجودة، خصوصًا في ظل الأدوار التي تؤديها الهيئة العُمانية للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم؛ حيث إن الجودة هي المُكافئ الحقيقي لأي عملية تطوير؛ سواءً في المناهج أو بيئة التعليم أو كفاءة المُعلِّمين، وهذا لن يتأتى دون إرساء معايير رائدة، تتوافق مع التطلعات الوطنية، وعلى رأسها رؤية “عُمان 2040″، والاستفادة من تجارب الآخرين، وبلورة استراتيجيات وطنية طموحة تُلبي تطلعات المجتمع، والتي تتلخص في جملة واحدة: نظام تعليمي إبداعي يصقل شخصية الطالب ويُعزز معارفه، لينطلق في مسيرته الحياتية بكل نجاح داخل وخارج وطنه.
ثانيًا: مواكبة سوق العمل؛ إذ لا ريب أنَّ أي نظام تعليمي يستهدف في الأساس تخريج أجيال من أبناء الوطن مُتسلِّحين بأدوات العلم والمعرفة، التي تُعينهم على بناء مستقبل أفضل لوطنهم. لذلك يجب أن يتسم هذا النظام التعليمي بقدرته على مُواكبة المُتغيِّرات، وعلى رأسها سوق العمل الذي يتغيَّر ولا يستقر على حال؛ نظرًا لطبيعته الديناميكية. وهذا التغير الديناميكي يستدعي من القائمين على فلسفة التعليم، ابتكار مسارات تعليمية أكثر تطورًا، تضمن مخرجات تعليمية على أعلى مستوى من الكفاءة والحرفية في العديد من المجالات، خاصةً وأن أي اقتصاد قوي في حاجة ماسّة إلى الكفاءات البشرية التي تُنتج وتعمل وتحرث وتحصد، كفاءات تملك المعرفة اللازمة للحفاظ على قوة الاقتصاد، من خلال قدرتها على العمل في جميع المجالات، دون الحاجة إلى استقدام موظفين وعمَّال من الخارج.
لذلك يتطلب بناء قاعدة اقتصادية صلبة ومتينة، تطوير نظام تعليمي يُدرك احتياجات هذا الاقتصاد، ومن ثم يطرح تخصصات تعليمية تتوافق من متطلبات سوق العمل، فلا يُمكن أن يكون العالم بأسره يتحدث عن وظائف المستقبل وعلى رأسها الوظائف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والأتمتة والطاقة المُتجددة، بينما نجد النظام التعليمي لا يُساعد أبدًا في تأهيل الطالب للالتحاق بمثل هذه المجالات، والسبب أن الطالب لا يجد القدر الكافي من الدراسة المُتخصصة في علوم الحاسب الآلي والأتمتة، بل إن هناك مدارس تفتقر إلى أجهزة الحاسوب الكافية لكي يدرس جميع الطلبة عليها!!
إنَّ أهمية ربط التعليم بالمستقبل، تتعاظم، ليس فقط لأن العالم يتطور بصورة مذهلة وحسب؛ بل لأننا إذا لم نتأهب لهذا المستقبل من الآن، فلن نجد لأنفسنا مكانًا في ذلك المستقبل.
اليوم، سوق العمل يُركِّز بشكل كبير على المهارات وليس الشهادات، ولذلك يجب أن نتجاوز مسألة أن الطالب يجب أن يتلقى دروسًا في مواد بعينها، من أجل النجاح فيها بنهاية العام، ولكن أن يُنهي الطالب عامه الدراسي وقد تعلّم عددًا من المهارات، مثل مهارات التفكير النقدي، ومهارات الإبداع القائم على الخيال والتصوُّر، ومهارات النقاش والمحاورة، ومهارات الاستنتاج العلمي القائم على التجربة.
فمثلًا، في الصفوف الأولى من التعليم، يجب أن يكون التركيز بصورة أساسية على اللغة، من حيث إجادة القراءة والكتابة والقدرة على التعبير، سواء التعبير المكتوب أو المقروء، ومن ثم التركيز في الصفوف المتوسطة على العلوم بأنواعها، من كيمياء وأحياء وفيزياء وتاريخ وفلسفة وجغرافيا، بجرعات متوسطة، حتى يتمكن الطالب من تحديد مساره في السنوات النهائية، والتي يجب ألا يتجاوز عدد المواد فيها 5 مواد، حسب التخصص الذي يرغب في الالتحاق به في الجامعة، فمن يطمح لتخصصات مثل الطب والصيدلة والهندسة يدرس المواد العلمية، أما الساعي لتخصصات غير علمية فيكون التركيز على المحتوى الأدبي والعلوم الإنسانية، فما الداعي أن يدرس الطالب الفيزياء أو الرياضيات، بينما هو يرغب في تخصص القانون؟! أليس من الأجدى أن يدرس التاريخ والبلاغة وغيرها؟!
ومن أساسيات تطوير التعليم ليكون مواكبًا لسوق العمل، أهمية التوسع في التعليم المهني والذي أصبح ضرورة لا غنى عنها، ورغم أننا بدأنا هذا المسار في عُمان، لكن الأمر لا يعدو حتى الآن سوى تجربة، في عدد خجول للغاية من المدارس، بينما الوقت يمضي من حولنا، وسوق العمل تتسارع وتيرته بصورة قد لا نستطيع تداركها.
ثالثًا: الأدوار الرئيسية (المُعلِّم المَدرَسة ولي الأمر). أيُ حديث عن تطوير التعليم يجب أن يستند على مبدأ تكاتف الجهود؛ إذ لا يمكن بناء منظومة تعليمية بدون الأدوار الرئيسة لكلٍ من: المُعلِّم والمَدرَسة والبيت؛ حيث إنَّ المُعلِّم هو عمود خيمة المنظومة التعليمية والتربوية، ووجود المُعلِّم المؤهَّل ضمانة لنظام تعليمي على مستوى عالٍ من الجودة. والمُعلِّم يجب أن يكون داعمًا لتطوير التعليم من خلال إتاحة الفرصة أمام الطالب لممارسة التفكير النقدي، وطرح الحلول والأفكار الجريئة بكل حرية بعيدًا عن شعار “تعليمات الوزارة”، فهذه كلمة يجب أن تُلغى من قاموس أي مُعلم مُؤمن بحرية التعليم وحق الطالب في طرح وجهة نظره.
كما إنَّ توفير المدارس في كل مكان على أرض الوطن، مسألة حاسمة للغاية في جودة أي نظام تعليمي؛ إذ من غير المقبول أن نجد في بعض الولايات طلبة لا يجدون مدرسة يلتحقون بها، فيكون الحل اللجوء إلى التعليم المسائي، وكأننا في دولة يقطنها عشرات الملايين من البشر. ومن المؤسف القول إنَّ التعليم المسائي أكبر سلبيات نظامنا التعليمي، ويتعين العمل بأسرع وقت ممكن لكي نتخلص من هذا النظام الذي يُميِّز بين طالب وطالب، ويُثقل كاهل الطالب بأعباء نفسية غير متصوَّرة، فبينما يجد الأخ أخاه يذهب للمدرسة في الصباح الباكر بكل نشاط وحيوية، يُجبر أحدهما على الذهاب إلى مدرسته بينما الشمس في كبد السماء، يكاد يجر قدميه بكل كسل!
لذلك نؤكد أن نجاح المدرسة هو الركن الأساسي في كيفية جعل الطالب مُحبًا لمدرسته، ومُتطلعًا للذهاب إليها كل صباح، في بيئة تعليمية وترفيهية جاذبة ومُمتعة لهم.
وعلى المُعلِّم أن يسعى جاهدًا لغرس الشغف بالعلم في نفس كل طالب، وتلك هي مهمته الأساسية، وإذا نجح في ذلك تكون المهمة الرئيسية له قد أُنجِزَت.
وأخيرًا ولي الأمر، الذي يقع على عاتقه دور لا يُمكن التغافل عنه، سواء تربويًا أو تعليميًا، والدور التربوي يتحقق من خلال أن يكون الأب قدوة حسنة لأبنائه، يُعلِّمهم كيفية التعامل بإنسانية ورُقي في المجتمع، وأن يتحلُّوا بالسمت العُماني الطيب القائم على التقاليد الأصيلة. كما على ولي الأمر دور كبير جدًا، في متابعة دروس الأبناء، ومدى إلمامهم بالمواد الدراسية، ومشاركتهم في الأنشطة المدرسية، ومستواهم التحصيلي خلال العام الدراسي، ولا يجب أن يكون جُل دوره في توفير الدفاتر أو المستلزمات المدرسية وغيرها من الأمور الشكلية.
ويبقى القول.. إنَّ تطوير التعليم يجب أن يرتكز على الهدف الأساسي الذي نطمح له جميعًا، وهو تخريج أجيال قادرة على بناء الوطن، ومواصلة المسير، والإسهام في النهضة الحضارية الإنسانية، وهذا يتطلب العمل على بناء نظام تعليمي يُلبي التطلعات ويواكب المتغيرات ويستشرف المستقبل؛ فالتعليم هو وسيلتنا التي ستقودنا إلى المستقبل المُزدهر.