خاص “المدى”الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترامب من الحروب العسكرية إلى الحروب الاقتصادية |

في ظل التغيّرات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم، تصاعدت وتيرة الضغوطات التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الدول الكبرى، وخاصة في ما يتعلق بعلاقاته مع الاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين. من خلال تبنّي سياسة فرض الرسوم الجمركية والضرائب على الواردات، يسعى ترامب إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الأميركي، وتحديدًا جذب الشركات الأميركية للعمل داخل حدودها. هذه السياسات تتقاطع بشكل كبير مع التوجّهات الدولية الأخرى، لا سيما في قضايا مثل الصراع في أوكرانيا والعلاقات مع الشرق الأوسط، ممّا يطرح تساؤلات حول تأثير هذه الاستراتيجيات على الساحة الدولية.
الباحث في الشؤون الدولية، ومؤسس مركز بروجن للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية الدكتور رضوان قاسم أكّد “أنّ لترامب أهدافاً سياسية واقتصادية من خلال قراراته الأخيرة، خصوصاً أنّه يتناقض تماماً مع سلفه جو بايدن، إذ كان الأخير يعتبر أنّ الحرب العسكرية هي التي تفرض قوة أميركا وتثبت مكانتها كقوة عظمى. لكن مع تغيّر طبيعة الحروب العسكرية اليوم، وتزايد صعوبة تحقيق نتائج حاسمة من خلالها، ظهر بوضوح أن الحروب العسكرية لم تعد تجدي نفعاً، وخير دليل على ذلك هي الحرب اليمنية، حيث تدخّلت الولايات المتحدة الأميركية في البحر الأحمر، ممّا جعل ترامب يتحوّل إلى ما يعتبره العصب الحقيقي للحروب: حرب الاقتصاد. هذه الحرب هي العامل الحاسم في معظم دول العالم، حيث أن أي أزمة اقتصادية في دولة قد تجعلها غير قادرة على مواجهة التحدّيات الخارجية”.
وبناءً على ذلك، رأى قاسم أنّ ترامب “سعى إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على الدول، من خلال فرض عقوبات تجبرها على الانصياع لإرادته وقراراته السياسية، فرفع التعريفات الجمركية على العديد من دول العالم سعياً منه إلى التأثير بشكل مباشر على السياسات الدولية، سواء في موضوع أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو في العديد من القضايا الأخرى في مختلف أنحاء العالم”.
وتابع: “من جهة أخرى، يسعى ترامب إلى تمهيد الطريق لنفسه في الداخل الأميركي، حيث كان الوضع الاقتصادي في فترة ولايته الأولى أفضل بكثير من الوضع الذي شهدته البلاد في عهد بايدن. لذلك، يسعى ترامب إلى إعادة الاقتصاد الأميركي إلى قوته، أو على الأقل الخروج من الأزمات الاقتصادية التي تعيشها الولايات المتحدة والتقليل من الديون المتراكمة. هذا سيسهم في تعزيز تحالف داخلي من الشعب الأميركي ومن عدة جهات سياسية ستقف إلى جانبه، خاصةً أنه يطمح إلى ولاية جديدة بعد انتهاء ولايته الحالية. من الممكن أن يسعى إلى تغيير بعض القوانين في الولايات المتحدة ليتمكن من الترشح مرة أخرى. وبهذا الشكل، يكون قد مهّد الطريق إمّا لولاية جديدة له، أو على الأقل لابنه أو من يراه مناسباً ليكون خليفة له بعد انتهاء ولايته. وما يفعله ترامب من خلال هذه القرارات سيسهم بالتأكيد في تحسين الوضع الاقتصادي، ويجلب تريليونات الدولارات إلى الخزانة الأميركية، وهو ما سيكون نقطة لصالحه في الداخل الأميركي”.
ولفت قاسم إلى مسألة مهمة أيضاً، “حيث يسعى ترامب إلى جذب شركات الدول الاوروبية والصناعية إلى الداخل الاميركي، فعندما يفرض مثل هذه التعريفات الجمركية والضرائب على الواردات، تصبح هذه الشركات غير قادرة على بيع منتجاتها بسهولة، إذ سترتفع أسعارها بشكل كبير وستكون تكلفتها باهظة. لذلك، يهدف ترامب إلى جعل هذه الشركات تنقل مصانعها إلى بلاده، حيث ستتجنّب دفع الضرائب المفروضة في الدول الأخرى. من ناحية أخرى، ستقدّم له الولايات المتحدة مساعدات وإعانات، ممّا يجعلها وجهة جذّابة لهذه الشركات والمؤسسات. وبالتالي، سيرتفع الإنتاج في الولايات المتحدة وتزداد فرص العمل. هذا كله ينظر إليه ترامب من زاوية اقتصادية بحتة، بالإضافة إلى رفع الضرائب على العديد من المنتجات لتحقيق أهدافه الاقتصادية”.
أما في ما يخص السياسة، فيعتبر ترامب، وفق قاسم، “أن أي دولة، وخاصة الدول الأوروبية التي تنضوي تحت حلف الناتو والتي كانت حليفة وما زالت شبه حليفة، وكانت واجهته في مواقفه بشأن أوكرانيا، بل ذهبت إلى المواجهة العسكرية حيث بدأت مناورات عسكرية لمواجهة روسيا ودعم الرئيس الأوكراني زيلينسكي، تناقض بأفعالها سياسته، وقد اعتبر أنها تعاديه سياسياً، فيسعى اليوم إلى إخضاعها للسياسة التي يتّبعها في أوكرانيا وفي الشرق الأوسط، مُعتقداً أنّه سيحقّق النصر في معركته هذه، لأن الدول الرأسمالية، وخاصة الدول الصناعية الكبرى، ستتأثّر بشدّة بالضرائب التي فرضها، بما أن تصدير إنتاجها يكون غالباً نحو الولايات المتحدة التي تُعدّ سوقاً استهلاكية كبيرة. وبذلك، ستكون هذه الدول وشركاتها تحت تأثير هذه الضغوطات، ومن خلالها سيفوز وسيتمكن من توجيه هذه الدول لصالحه”.
وتحّدث قاسم عن مسألة مهمّة وتتمثّل في التوافقات السياسية التي كانت قائمة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة”. وقال: “على سبيل المثال لا الحصر، كانت هناك توافقات حول الاستفادة من أو الضغط على الدول الفقيرة أو دول العالم الثالث للسيطرة على مقدّراتها واقتصادها. ولكن عندما كانت الدول الأوروبية تقف إلى جانب الولايات المتحدة في موقفها ضد إيران والملف النووي الإيراني، بدأنا اليوم نلاحظ تحوّلات كبيرة، مع انقضاء هذه المصالح، حيث بدأت تضاربات جديدة تظهر بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وهو ما أدّى إلى تصاعد التوترات بين سياسة ترامب والسياسة الأوروبية”.
وختم قاسم بالقول: “من هنا، يمكن القول إننا أمام مشهد سياسي واقتصادي دولي جديد. فبينما تعتبر الولايات المتحدة أن دورها يجب أن يظل في الصدارة اقتصادياً، فإن هذه التغيرات في تحالفاتها ومواقفها مع الدول الأوروبية تظهر انعكاساً واضحاً لتغيرات في المشهد الدولي بشكل عام”.