خالد بن حمد الرواحي

في نهاية يومٍ طويل، قد ينظر أحدهم إلى راتبه باعتباره إنجازًا كافيًا، ثم يكتشف مع مرور الوقت أن الرقم وحده لا يضمن شعورًا حقيقيًا بالاستقرار. ليس لأن الدخل قليل دائمًا؛ بل لأن الحياة لم تعد تُقاس بما نتقاضاه فقط؛ بل بما نملكه من فرصٍ للنمو والتكيّف مع تغيّراتها.

في كثيرٍ من النقاشات اليومية، يُختزل مفهوم العدالة المعيشية في سؤالٍ واحد: كم يبلغ الراتب؟ وكأن جودة الحياة يمكن أن تُقاس برقمٍ ثابت في نهاية كل شهر. لكن التجربة الواقعية تقول إن الدخل، مهما تحسّن، لا يكفي وحده لصناعة الاستقرار إذا غابت الفرص التي تمنح الإنسان قدرة على التقدّم.

العالم اليوم لا يتحرّك وفق مفهوم الوظيفة الواحدة؛ بل ضمن منظومة أوسع من المهارات والمسارات المتعددة. قد يحصل شخصان على الدخل نفسه، لكن أحدهما يمتلك مساحة للتعلّم والعمل المرن وتطوير مصادر دخل إضافية، بينما يظل الآخر محصورًا في دائرة ثابتة. هنا يظهر الفرق بين راتبٍ يُدير الحاضر، وفرصةٍ تبني المستقبل.

ليست المسألة تقليلًا من أهمية تحسين الدخل، فهو عنصر أساسي في تحقيق الاستقرار، لكن العدالة المعيشية الحقيقية ترتبط بإتاحة فرص التدريب واكتساب المهارات، وفتح مسارات للعمل الجزئي أو المشاريع الصغيرة التي تمنح الإنسان شعورًا بقدرته على توجيه مساره.

وفي بيئةٍ اقتصادية تتجه نحو المعرفة والابتكار، تصبح المهارة رأس مالٍ لا يقل أهمية عن الوظيفة نفسها. فالشخص الذي يمتلك القدرة على التعلّم المستمر يستطيع إعادة تشكيل مسيرته كلما تغيّرت الظروف، بينما يظل الاعتماد الكامل على الراتب وحده محفوفًا بالقلق عند أول تحوّل مهني أو اقتصادي.

كما أن مفهوم الفرص لا يقتصر على سوق العمل؛ بل يمتد إلى نمط التفكير داخل الأسرة. حين يتحوّل المنزل إلى مساحةٍ للإبداع الاقتصادي ولو بأفكار بسيطة تتغيّر نظرة الفرد إلى المال من كونه موردًا محدودًا إلى كونه إمكانية قابلة للنمو. قد يبدأ الأمر بمهارة صغيرة أو فكرة جانبية، لكنها تفتح أفقًا جديدًا للإحساس بالقدرة والاستقلال.

غير أن الحديث عن الفرص لا يعني تحميل الأفراد مسؤولية كاملة عن التحديات الاقتصادية، كما لا يقلّل من أهمية الأدوار المؤسسية في توفير بيئة داعمة. فالتحول نحو اقتصاد أكثر مرونة يتطلب شراكة واعية بين السياسات العامة وجهود الأفراد، بحيث يشعر الإنسان أن تحسين حياته لا يمر عبر زيادة الراتب فقط؛ بل عبر اتساع الأفق المهني والمعرفي.

وفي هذا السياق، يصبح تمكين الإنسان من التعلم المستمر والعمل المرن جزءًا من رؤية أوسع لمستقبل الاقتصاد والمجتمع؛ فالمجتمعات التي تستثمر في الإنسان مهارةً وفكرًا تبني استقرارًا أكثر استدامة من أي زيادة مالية مؤقتة.

ومع ذلك، تبقى المعادلة الإنسانية هي الأهم. فليست كل فرصة مشروعًا كبيرًا، وليست كل مهارة طريقًا سريعًا للنجاح. أحيانًا يكفي أن يمتلك الإنسان مساحة للتجربة دون خوف، وأن يشعر بأن المستقبل ليس مغلقًا أمامه مهما تغيّرت الظروف. حينها فقط يصبح الدخل جزءًا من قصة أكبر، لا مركزها الوحيد.

في النهاية.. قد يكون الراتب بداية الطريق، لكنه ليس نهايته. فالمجتمعات التي تبني فرصًا حقيقية لأفرادها لا تمنحهم دخلًا أفضل فقط؛ بل تمنحهم شعورًا أعمق بالقدرة على صناعة مصيرهم. وحين تتسع الفرص، يتحوّل العمل من وسيلةٍ للبقاء إلى مساحةٍ للنمو، ويصبح الاستقرار نتيجةً لوعيٍ متجدد لا لرقمٍ ثابت في كشف الحساب.

شاركها.