عائض الأحمد
تتشابه أيّامه حتى يألفها؛ لا فرق بينه وبين أقرانه، نسخٌ تتكرّر، كأنها حياةٌ كُتبت بقلمٍ واحد، في كراسةٍ واحدة، تتشابه ألوانها حتى بات من يستخدمها يتندّر من حاله: أولَم يكن ابنُ جارِ جارِنا يفعل هذا؟ ثم ماذا؟ لا شيء… تستمر الحياة كما أراد لها كلُّ من حوله، أما هو فكان سجينًا لخياله.
تستوقفه بقايا تلك الزهرة التي ذبلت، وكاد كلُّ ما فعله أن يذبل معها. في مساءٍ ما، كأن لسان حالها مال إلى الزلل دون أن تعي، وكأن المريض لم يشف والمسافر لن يعود، وكل الأعذار فقدت جدواها.
لم يَعُد لكِ مكان، ولم يَعُد يشفع لكِ الزمان؛ ولو عاد، لاستخرتُ من يميل له عقلي، وطرحت جانبًا قلبًا شهد نزوات أمرائه، فأغراها بما لم تدركيه يوماً.
حديثكِ يشبه فحيح أفعى جائعة، تتربص بما قد تقع عليه يدها، ثم تنقضّ عليه غير آبهة بما كان منها. حين كنتِ تأتيْن حافية القدمين، مسرعة الخُطى، تسألين: أين أنتَ منّي؟ وما الذي يُبقيك بعيدًا يا من كنتِ تدّعين أنني حبلُ وريدِك؟
تبتسمين حين يثق بك من حولك، وتطعنين حين تظنّين أنّ أحدًا لن يراكِ، تظهرين ضعيفةً، وتخفين ما في قلبك من شراسة. أحلامكِ مثل الضباب، تتلاشى عند الاقتراب، وعيونكِ مرايا تخفي أكثر مما تكشف. تأتيْن حانيةً… ثم تهربين، تسحبين منّي كلَّ ما أملك، ثم تتركني أبحث عنكِ في فراغكِ.
وها أنا، خلف قضبان حرّيتي، أراقبكِ… أعرف كلّ خديعة، وأعلم متى ستعودين، لكنني أعجز عن مقاومة فتنتك، وعن رائحة ما علِق على يديّ من ملمسك، وعن صوتكِ الذي كان يُحيي الحنين قبل أن يُنبت الخوف.
أو لم أقلها مرارًا؟ لم يعد لديَّ شيء أقدّمه… فإن لم تعودي، فلن تكون كرامتي رداءَ شتاءٍ أخلعه في صيفكِ الحارق. ها أنا، أخيرًا، أدرك أنّ خلف هذه القضبان سجينًا يتألّم، وأنَّ كلّ ما كنت أظنه مني، وكلّ ما وثقت به… ذاب وتلاشى. لن أعود لأبحث عنكِ، ولن أسمح لغروركِ أن يهبط بي أكثر ممّا فعل.
لها: ابحثي في كل صفحات ماضيك؛ فإن لم تجدي أحدًا، فعلمي أنني حاضرك، يا من كنتِ لي سندًا، كيف أصبحتِ معي ضدي؟”
شيء من ذاته: كم كنت أحمق حين رهنت حياتي لكِ، ومن خطأٍ واحدٍ نسيتِ كل شيء، وتركْتِني أقلب رماد قلبي بحثًا عن جذوة تعيد إليّ الدفءَ، وها أنا أعي أنّ من رهن حياته لشيء يصعب التحكم به، كمن يلهث خلف سراب وهو يعلم يقينًا نهايته.
نقد: قد تتعارض حريتك مع قلبك؛ فلا تستفتِه إن كنت تبحث عن الصواب، فالحرية أحيانًا سجن لا يُرى إلا حين يشتد الألم، وسجني هذا علّمني أن الكرامة أثمن من الحب، و الألم أصدق مرشد للروح من أي وعد واهٍ.
