مؤيد الزعبي

 

بينما نحن نغرق في طوفان “التوصيات الذكية” أتساءل أحيانًا متى كانت آخر مرة ضللنا فيها الطريق فعليًا؟ متى كانت آخر مرة اشترينا فيها كتابًا لم تقترحه علينا خوارزمية “أمازون”، أو شاهدنا فيلمًا لم تضعه “نتفليكس” في قائمة “نسبة المطابقة 98%” ومتى اخترنا أن نوقف عجلة الريلز أو فيديوهات التيك توك التي تنهال علينا لأنها تعجبنا؟

يبدو أننا ومن حيث لا ندري قد دخلنا عصر “الدكتاتورية الناعمة”، تلك التي لا تسوقنا بالسياط؛ بل بكلمات معسولة مثل “قد يعجبك هذا” أو “بناءً على تفضيلاتك” أو تلك التي لا تقدم لك أي تفسير إلّا أنها تنهال عليك بالمحتوى الذي لسبب ما يجعلك حبيس المنصات التي تعرضه لك.

هذه النعومة هي مكمن الخطر؛ فالديكتاتور التقليدي يُخبرك بما لا يجب أن تفعله، أما الخوارزمية فتخبرك بما “تريد” أنت فعله لتغذي بنفسك شعور بالحرية بينما هي التي تقودنا لما تريده. ولذلك أود أن أطرح ها هنا سؤالًا وجوديًا: هل ما زلنا كبشر نمتلك حقنا الأصيل في اتخاذ قرار خاطئ؟ ذلك القرار الذي لا يستند إلى بيانات ضخمة ولا لخوارزميات تحليلية، بل إلى نزوة بشرية، أو فضول عابر، أو حتى غباء لحظي جميل؟ وركز معي عزيزي القارئ بكلمة غباء التي خسارتها تعني إننا بصدد خسارة “جمالية الخطأ” التي كانت عبر التاريخ المحرك الأول للإبداع البشري والاكتشافات العفوية.

وعندما نغوص في أعماق هذا المشهد الرقمي، أجد أن الخوارزميات قد نصبت لنا فخًا يسمى “التحسين المستمر” (Optimization) كل شيء في حياتنا يجب أن يكون في أكمل صورة؛ المسار الأسرع للوصول، الوجبة الأكثر تقييمًا، والشريك الأكثر ملاءمة، والفكرة التي تناسبك، لكن أليست الحكمة البشرية قد صُقلت عبر العصور من خلال السير في الطرق الوعرة، وتذوق الوجبات السيئة، والدخول في تجارب فاشلة؟ إن حرماننا من الحق في الفشل هو نوع من التدجين الخفي الذي يحولنا إلى كائنات “متوقعة” (Predictable)، يسهل برمجتها واستهلاكها والتحكم بها، كائنات لا تعرف كيف تتخذ قرارًا لخوفها من الفشل، ولا تستطيع أن تعيش مغامرة دون أن تكون محسوبة ومدروسة، ويومًا بعد يوم سنصبح أسرى لتقنيات تجنبنا الخسارة وهذا أمر إيجابي، ولكن روح البشر كمغامرين، كمكتشفين للمجهول قد قُتل أمام ثورة تقنية تحسب عدد رمش العين قبل أن ترمش.

المشكلة لا تكمن في ذكاء الآلة فنحن بحاجة له كثيرًا؛ بل في استسلامنا الطوعي لهذا الذكاء، فنحن نبحث عن الراحة، والخوارزمية توفرها لنا على طبق من بيانات، ولكن الثمن هو “عضلة القرار” التي بدأت تضمر في عقولنا، وكما كتبتُ سابقًا عن “الولاء للذكاء الاصطناعي”، أجدنا اليوم نمنح الخوارزمية تفويضًا كاملًا لإدارة ذائقتنا، ومشاعرنا، وحتى بوصلتنا الأخلاقية، متناسين أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجد معناه في قدرته على قول “لا” للمنطق، وفي قدرته على اختيار المسار الأطول لمجرد أنه يريد رؤية الغروب من زاوية مختلفة، هكذا نحن البشر كنا كائنات لا يمكن توقع تصرفاتها وإلى أي حد تأخذنا عقولنا، ولهذا وصلنا أعماق البحار وطرنا للفضاء لمجرد أن فضولنا يقودنا، وهذا الفضول سنخسره كبشر طالما سنستسلم دائما أمام قرارات الخوارزميات وتوصياتها.

لطالما كانت التقنية مرآةً لنا، ولكن اليوم أجدُ أن هذه المرآة بدأت تفرض علينا ملامحها، أصبحنا نحن المرآة لها، ولذلك أجد عزيزي القارئ بأننا نحتاج أن نتمرد قليلًا على الاقتراحات على التوصيات، أن نضغط على ذلك الخيار الذي لا يعجبنا، أن نتوه في شوارع المدن دون استخدام “جي بي إس”، وأن نستكشف شيئًا لم نسأل عنه “شات جي بي تي”، وأن نجرب مطعمًا دون أن نتعمق بتوصيات “جوجل”، أن نخطئ ونصحح من خطأنا دون أن دون ذلك الخطأ في مراسلاتنا مع الذكاء الاصطناعي لكي يتفاداه هو وليس نحن، نحن بحاجة أن نتمرد في استخدام عقولنا حتى لا نفقد قدرتنا على اتخاذ القرار.

في النهاية.. أنا إنسان مؤمن بأن استعادة إنسانيتنا تبدأ من استعادة حقنا في أن نكون غير منطقيين وأحيانًا غير متوقعين، أن نكون مخطئين للحظة وتائهين للحظات، فالكمال الذي تعدنا به الخوارزمية هو في الحقيقة سجن سياجه الأكواد، بينما الحرية الحقيقية تكمن في ذلك الهامش الصغير من الخطأ الذي يجعلنا بشرًا، لا مجرد أرقام في معادلة صحيحة جدًا، معادلة دقيقة جدًا، فنحن البشر نحتاج لهامش من اللا دقة!

شاركها.