سلطان بن ناصر القاسمي
ليس كل ما نمرّ به في حياتنا يُقاس بالأرقام، ولا كل ما يُسدد يُنسى. فبينما نستطيع أن نحصر ديون المال في مبلغ معلوم وزمن محدد، تبقى هناك ديون أخرى لا تُكتب في دفاتر، ولا تُقفل بإيصال، لكنها تسكن الذاكرة والوجدان طويلًا. ديون المواقف، تلك التي تتكوّن في لحظة ضعف، أو احتياج، أو انكسار، وتبقى شاهدة على معدن الإنسان، له أو عليه.
ففي مسيرتنا العملية والإنسانية، نمرّ بمواقف كثيرة تستحق التوقف لا الاجتياز السريع. مواقف نمنح فيها من وقتنا، من دعمنا، من وقفتنا الصادقة مع الآخرين، دون انتظار مقابل. بعض هؤلاء يحفظ، ويشكر، ويتذكّر، ويُعبّر عن الامتنان ولو بسؤال أو اهتمام، وبعضهم تمضي به الحياة، وكأنَّ المصلحة وحدها كانت ما يجمعه بك. وهنا يستحضر الوجدان قول الشاعر العُماني سعيد الحجري:
الرجال اللي ذخرناها لحزّات الظروف // جات حزّات الظروف ولا لقيناها رجال.
وهنا تتضح الفكرة الجوهرية: دين المال التزام مادي، يُحدَّد ويُحصَر ويُسدَّد، وتنتهي آثاره عند الوفاء به. أما دين المواقف فهو التزام أخلاقي وإنساني، يولد في لحظة صدق، ولا يُقاس بالأرقام، ولا يُختزل في حساب. هو دين يُقاس بالأثر الذي يتركه في النفس، وبالطمأنينة التي يمنحها الإنسان لغيره حين تضيق الخيارات وتثقل الأيام.
قد تقف مع إنسان معنويًا، فتكون وقفتك تلك أثقل في ميزانه من أي عطاء مادي، وقد تقف مع آخر ماديًا فتخسره إنسانيًا. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل معادلة إنسانية عميقة، تحكمها التربية، والقيم، وعمق الوعي، لا حجم العطاء. فالمواقف التي تُقدَّم بصدق لا تُنسى لدى من يقدّرها، لأنها جاءت في وقت كان الإنسان بأمسّ الحاجة إليها، دون مقابل، ودون شروط.
غير أن الصدمة الحقيقية لا تكمن في عدم ردّ الجميل، بل في الجحود. في أن يُسدَّد دين المال كاملًا، ويُغلق الملف ظاهريًا، بينما يُنكر دين الموقف، أو يُتجاهل، أو يُمحى من الذاكرة عمدًا. هنا يتحول الجحود إلى جرح أعمق من أي خسارة مادية، لأنه لا يكسر علاقة فحسب، بل يهدم قيمة الوفاء، ويُضعف معنى الإنسانية في النفوس. وللأسف، هذا المشهد ليس نادرًا في المجتمع.
في حقيقتها، ديون المواقف لا تُثقل الجيب، بل تُثقل الضمير. تظل حاضرة كلما مرّ الإنسان بتجربة مشابهة، لأن هذا النوع من الديون مرتبط بالقيم لا بالمصالح، وبالأخلاق لا بالحسابات. ومن يملك ضميرًا حيًا لا يستطيع تجاوزها مهما طال الزمن أو قصر. ومع ذلك، لا يمكن التعميم؛ فهناك من يجحد دين المال ودين المواقف معًا، إما حسدًا، أو حقدًا، أو فراغًا قيميًا يُغلفه بالكلام.
وحين نتأمل بعمق، ندرك أن سداد ديون المواقف لا يحتاج إلى مال، بل إلى وعي، واعتراف، ووفاء. وقد يعجز البعض عن ردّ الجميل لا لعدم قدرته، بل لافتقاده هذه المعاني أصلًا. فليس كل من يملك المال يملك الشكر، وليس كل من يتقن الكلام يعرف معنى الاعتراف بالفضل. لذلك أصبح الوفاء عملة نادرة في زمنٍ طغت فيه المصالح، وتقدّمت فيه المنفعة على القيم.
فالوفاء ليس سلوكًا عابرًا، بل تربية راسخة، وأصل ثابت. والمواقف في أوقات الشدائد هي المرآة الحقيقية للأخلاق، تسقط الأقنعة، وتُظهر جوهر الإنسان كما هو. من يحفظ المواقف يثبت أصالته وعمق أخلاقه، ومن ينكرها يكشف هشاشة قيمه مهما تجمّل بالمظاهر. فالأخلاق لا تُقاس بما نقوله، بل بما نفعله حين يُختبر معدننا.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نتعامل مع من نسي مواقفنا؟ الجواب ليس واحدًا، لكنه يدور بين خيارين ناضجين؛ إما أن نكتفي بنقاء نيتنا ونحتسب الأجر عند الله، فالمواقف الخالصة تُقدَّم لوجهه الكريم أولًا، أو أن نُعيد ترتيب حدودنا مع من لا يُقدّر، لأن الاستمرار في العطاء دون تقدير استنزاف للنفس. فالكرامة لا تتعارض مع الطيبة، بل تحميها. قال تعالى:﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60).
أما أثر المواقف في العلاقات، فهو بالغ الوضوح. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى بالكلام وحده، ولا بالمال وحده، بل بالمواقف. هي ذاتها التي تُقوّي الروابط حين تُحفظ، وتهدمها حين تُنسى أو تُنكر. فالموقف الصادق يزرع الثقة، وإنكاره يزرع الشك ويقتل العلاقة بصمت. قال تعالى:﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: 237).
وختامًا، هناك ديون لا تُكتب، لكنها لا تُمحى. قد تُنسى الأرقام، وتُغلق الحسابات، وتُمحى الديون من السجلات، لكن المواقف تبقى شاهدًا أبديًا، إما لك أو عليك. وليس كل ما يُسدّ يُغلق؛ فبعض الديون تُغلق بالمال، وبعضها لا يُغلق إلا بإنسان.
