حمود بن علي الطوقي

 

انتهزتُ فرصة زيارتي إلى محافظة مسندم لإعداد هذا التقرير الصحفي الميداني، في تجربة هدفت إلى توثيق المقومات الطبيعية والتنموية التي جعلت من هذه المحافظة واحدة من أكثر الوجهات تفرّدًا في سلطنة عُمان. وقد ازدادت الرحلة تميزًا بمرافقة إخوتي وأبناء عمي، في تأكيد لأهمية الرحلات العائلية في التعرف على الأبعاد التاريخية والحضارية لمختلف ولايات السلطنة.

ورغم أن هذه الزيارة ليست الأولى لي إلى مسندم، إلّا أنها كشفت حجم التطور الملحوظ في البنية الأساسية والخدمات السياحية، إلى جانب تنامي السياحة البحرية، خاصة في الرحلات المُتجهة إلى خور شم، والتي تتنوع بين رحلات يومية وأخرى طويلة تمتد لعدة أيام، تستقطب سياحًا من مختلف دول العالم، وسط منافسة واضحة بين الشركات المنظمة التي وفرت قوارب ويخوتاً حديثة مجهزة بأعلى معايير السلامة.

وتبرز مدينة خصب بوصفها القلب السياحي للمحافظة، حيث تنطلق منها الرحلات البحرية، فيما يشكّل خور شم أحد أجمل المضائق البحرية في السلطنة بمياهه الصافية وجباله الشاهقة، وتنتشر على ضفافه قرى ساحلية مثل نظيفي وقانا ومقلب، تحافظ على نمط الحياة التقليدية المرتبط بالبحر والصيد.

وتمر الجولات البحرية بعدد من المحطات الطبيعية والتاريخية، من أبرزها “جزيرة تلغراف” ذات القيمة التاريخية التي كانت محطة اتصال دولية في القرن التاسع عشر وأصبحت اليوم من أهم مواقع الغوص، إضافة إلى جزيرة صبي التي تُعد من أفضل مواقع السباحة والاستجمام بمياهها النقية، مع مشاهد متكررة للدلافين التي تضفي على الرحلة متعة استثنائية.

وفي موازاة الجمال الطبيعي، تتميز محافظة مسندم بجبالها الشاهقة وتكويناتها الجيولوجية النادرة التي جعلتها بمثابة متحف طبيعي مفتوح ومادة علمية ثرية للباحثين. ويلاحظ الزائر منذ الوهلة الأولى امتداد هذه الجبال المطلة مباشرة على البحر، بتكويناتها الصخرية المتنوعة التي تشكّلت عبر عوامل الترسيب والتعرية على مدى ملايين السنين، لتبدو وكأنها لوحة بانورامية مفتوحة تجمع بين القوة والجمال. وقد أصبحت هذه الجبال مقصدًا للعلماء من مختلف أنحاء العالم لدراسة تاريخ الأرض وتطور القشرة الأرضية، ما يعزز القيمة العلمية والسياحية للمحافظة ويجسّد هويتها الجغرافية الفريدة.

وتسحر هذه المناظر الطبيعية الزوار لالتقاط أجمل الصور وتوثيق الرحلات بمشاهد قد لا تتكرر في وجهات أخرى حول العالم، لتبقى مسندم واحدة من أكثر المناطق جذبًا لعشّاق الطبيعة والتصوير.

وعلى الصعيد التنموي، شهدت المحافظة حراكًا حكوميًا واسعًا شمل افتتاح مستشفى خصب التخصصي، وتطوير شبكة الطرق والموانئ والمرافئ البحرية، إلى جانب تنفيذ مرافق خدمية وسياحية حديثة، ما أسهم في رفع جاهزية مسندم كوجهة سياحية متكاملة.

ومن الوهلة الأولى يلاحظ السائح الحضور النشط للقطاع الخاص في المشهد السياحي، من خلال الاستثمارات في المرافق الترفيهية والمطاعم والمشروعات السياحية، في تكامل واضح مع الجهود الحكومية. ومن أبرز هذه الخدمات افتتاح ممشى البص المطل على البحر، وتنظيم المهرجانات الشتوية، حيث سنحت لنا فرصة زيارة مهرجان بخا الترفيهي الذي أسهم في تنشيط الحركة السياحية، إلى جانب توفر المناشط الترفيهية مثل مشروعات الانزلاق الجبلي والمغامرات السياحية.

كما برز الدور الاستثماري للقطاع الخاص في المشاريع الكبرى، ومن بينها مشروع تلال النخيل الإسـكاني باستثمار يقدّر بنحو 71 مليون ريال عُماني، وعلى مساحة تقارب 635 ألف متر مربع، وبنحو 680 وحدة سكنية، في نموذج عمراني حديث يسهم في تلبية الطلب السكني وتحفيز التنمية الحضرية، ويعتمد على كوادر وطنية من أبناء المنطقة دعمًا للتعمين والاقتصاد المحلي.

وفي ختام هذا التقرير، تبقى محافظة مسندم حافلة بالكثير مما يمكن الحديث عنه وتوثيقه، من جمال طبيعتها وتفرّد تضاريسها، إلى مشاريعها التنموية وخدماتها السياحية المتجددة، وهي مساحة غنية للتجربة والاكتشاف لا تختزلها زيارة واحدة ولا يحيط بها مقال واحد.

ولا يمكن إغفال أحد أبرز المشاريع السياحية العالمية في المحافظة، منتجع وفندق الحواس الست، الذي يُعد من أفضل منتجعات الاستجمام على مستوى العالم بموقعه الطبيعي الفريد بين الجبال والبحر وخدماته الراقية، والذي أسهم في وضع مسندم على خارطة السياحة الفاخرة عالميًا. وتبقى مسندم وجهة متجددة تستحق الزيارة والتأمل والتوثيق في كل موسم.

شاركها.