عائض الأحمد

في الأسواق الخليجية ترى عجبًا، وأنت لم تصم رجبًا!

أيادٍ عاملة من كل حدبٍ وصوب، تتناثر في الميادين والمتاجر والمصانع، لكن إن سألت: ما العائد الحقيقي؟ ما المكسب لأوطاننا من هذا الزخم؟

ستجد الإجابة مخيّبة… وهذا أقل وصف يمكن استخدامه دون أن نُصدم القارئ أو نجرح الواقع.

فهل نحن أمام شراكة حقيقية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني؟

أم أمام شركات أجنبية تتربّح، وتُحوّل الأرباح إلى الخارج، تاركةً خلفها فتاتًا لا يسد رمق المستقبل؟

منهم من يتربّع على صدورنا ربع قرن، متنقّلًا بين ظهرانينا، وإن استقصيت أمره وجدته لا يملك أكثر من حقيبةٍ وخطاب توصية.

يُفرش له السجاد الأحمر، ويُفتح له الباب الخلفي، ثم يُقصى هذا، ويُستجلب ذاك، ويُنتدب أصدقاؤه وجلساؤه… وحتى ناقلو أخبار زملائه!

ثم يُصبح الحَكم بين أهل البلد، يُقرّر من يصلح، ومن يجب أن يُبعد، وكأنَّ مفاتيح المعرفة نزلت عليه وحده!

أما ابن الوطن، فمكانه في الطابور الطويل، يبحث عن فرصته المؤجلة، ويُطالب بإثبات ذاته مرارًا.

ولو تعثّر مرةً، نُزعت عنه الثقة، وأُلبس لباس التقصير.

فأين هي الشراكة إذن؟

هل هي منفعة متبادلة، أم هيمنة مموّهة بثوبٍ تعددت أسماؤه؟

أين العقول الوطنية؟ ولماذا لا يُمنح المواطن فرصةً عادلةً في وطنه؟

لقد مللنا وسئمنا من التكرار، ومن إعادة أخطائنا، ومن نقل مواجعنا من جيل إلى آخر… دون أن نُمكّن من يستحق، أو نُعطي الثقة لمن هو أولى بها.

وهنا، لسنا ضد أحد، فمن كان في موقع الحاجة فله كل الترحيب، لكن دون أن يكون ذلك على حساب الكفاءة الوطنية.

التقنين أصبح واجبًا لا خيارًا، والمراجعة ضرورة وطنية لا رفاهية بيروقراطية.

نريد شراكة تُبنى على عدالة الفرص، لا على تزكية الأهواء، على الكفاءة لا الجنسيات، وعلى الاستحقاق لا العلاقات؛ فالوطن لا يُبنى بالشعارات؛ بل بتصحيح المسار، واستعادة الثقة، وتمكين أبناء الأرض من أن يكونوا هم الأجدر، وهم الأقدر… لا فقط المتفرجين.

القطاع الخاص يعيش وكأنه وصية ميت، يتوارثه القادمون، ويستأثرون به كما لو كان إرثًا مُغلّفًا بختمٍ غريب، ونحن ننظر بعين الرضى أو التبلّد، وفي داخل كلٍّ منّا السؤال القديم المتجدّد:

أولسنا أحق؟

ولماذا هذا القطاع يعيش خصوصيةً صلبة تجاه أبناء جلدته؟ لماذا يُفتح لأغراب، ويُغلق في وجه أصحاب الأرض؟

ولماذا يصبح الطريق إلى فرصه مفروشًا لمن لا يجيد غير التلميع، بينما يُطلب من ابن الوطن أن يجتاز المتاهة سبعين مرة، ثم يُسأل: لماذا تأخرت؟

لقد أصبح هذا التمييز الصامت سلوكًا مؤسسيًا غير مُعلن، لكنه حاضر في الأرقام، وفي التوظيف، وفي الترقّي، وفي قواميس “الثقة” و”الجاهزية”.

ولا يُمكن تصحيح أي مسار اقتصادي، ما لم نضع هذه الأسئلة في وجه الضوء.

إن الإنصاف لا يعني الإقصاء، ولا يعني التنكّر للوافد، لكنه يعني أولًا: العدل لأهل الدار.

يعني ألا يُستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وألا تُختصر الثقة في جنسية، وتُنسى الكفاءة في السيرة الذاتية.

نحن لا نُحارب أحدًا، لكننا نُطالب بحقٍّ نعرف أنه لنا.

نُطالب بقطاع خاصٍ يُدار بعقلٍ وطني، ويُخطط برؤية تستثمر في الإنسان، لا في الظلال العابرة.

التقارير الرسمية تؤكد أن نسب التوطين في تصاعد ملحوظ، وهو ما يُعد خطوة إيجابية تُحسب لصالح السياسات الحكومية،

لكن هذا التقدّم العددي لا يكفي وحده. فالمطلوب هو تمكين نوعي يُترجم الأرقام إلى واقعٍ عادل، يُنصف المواطن، ويكسر احتكار القطاع الخاص الذي لا يزال، في كثير من جوانبه، حكرًا على من لا يملكون سوى علاقاتهم أو امتيازاتهم.

لقد اجتهدت التشريعات الحكومية في تهيئة الأرض، ولم تألُ جهدًا في فتح الأبواب،

لكن هذا الحصن المنيع ما زال يرفض التغيير، مستندًا إلى أعذارٍ واهية،

وقد آن أوان التعامل معه بإرادة التغيير… لا سواها.

لها: سيكون القادم أجمل إن أحسنتُ عملًا في حاضري.

شيء من ذاته: ليس من العدل أن أتسوّل في حيّي، أمام منزلي.

نقد: لن نبلغ الكمال، ولكن سننشده.

شاركها.