خالد بن أحمد العامري

[email protected]

 

 

 

مع التحولات التنموية التي شهدتها مدينة صلالة، حاضرة مُحافظة ظفار ومركزها الإداري، كان نسيجها العمراني قبل مطلع سبعينيات القرن الماضي، يتكون من مناطق «الدهاريز، البليد، الحافة، القطيعة، صلالة، عوقد»، شكلت فيها المساحات الخضراء همزة وصل طبيعية بين مناطقها المختلفة. لم تكن الكتل العمرانية مُتلاصقة كما هي اليوم، بل كانت المزارع وبساتين النخيل تشكل نسيجا مفتوحا يعكس خصوصية المكان، ويتعانق فيها العمران مع الخضرة ضمن توازن بيئي فرضته علاقة الإنسان بالأرض.

ومع عصر النهضة المباركة في سبعينيات القرن الماضي، دخلت المدينة مرحلة جديدة كان من المفترض أن تواكبها رؤية تخطيطية حضرية أكثر تنظيمًا، تستثمر المساحات الشاسعة والمنبسطة، وتنسجم مع البيئة البحرية والزراعية الفريدة التي تتميز بها المدينة. غير أن الواقع العمراني جاء في كثير من جوانبه أقل انسجاما مع هذه الطموحات، إذ اتسم توزيع الأراضي في بعض المراحل بالعشوائية، ولم تُراع بالشكل الكافي احتياجات التوسعات المستقبلية للطرق والخدمات والمرافق العامة.

ومع تسارع النمو السكاني والعمراني، تواجه صلالة اليوم مجموعة من القضايا التخطيطية التي لم تعد قابلة للتأجيل، لما لها من تأثير مباشر على شكل المدينة ووظيفتها ومستقبلها العمراني. فقد برزت اختناقات مرورية في عدد من المواقع، وتداخلت الأحياء السكنية مع الأنشطة التجارية والخدمية دون فصل تخطيطي واضح، ما أثر على انسيابية الحركة، وانعكس سلباً على جودة الحياة الحضرية.

وتبرز أيضاً ضمن المشكلات التي تعاني منها المدينة اعتداء ملاك بعض المزارع، على المشاعات والطرق الزراعية وضمها إلى نطاق مزارعهم، في تعد صريح على الحقوق العامة في استخدام الطرق الزراعية. وهو ما يستدعي معالجة تنظيمية واضحة تقوم على تحديد الحدود الأصلية للمزارع، ولا يقتصر أثر الاعتداء على الطرق الفاصلة بين المزارع على الإخلال بالنظام التخطيطي فحسب؛ بل يمتد ليفرز إشكالات اجتماعية وقانونية، تؤثر في الأمن المجتمعي من خلال خلق مساحات معزولة قد تُستغل في أنشطة غير قانونية، إزالة التجاوزات وإعادة فتح الطرق التقليدية بين المزارع لا تعد مجرد إجراءات تنظيمية، بل تمثل خطوة ذات أبعاد اجتماعية وأمنية وتنموية، تسهم في منع الاستغلال غير المشروع للمشاعات، مع إلزام مالكيها بتسوير مزارعهم بأسوار تتناغم مع البيئة المحيطة وتراعي البعد الجمالي للمكان، وذلك بعد اعتمادها تخطيطا وقانونا. وتعيد الاعتبار للبنية التقليدية التي شكلت جزءًا أصيلًا من تاريخ المدينة وهويتها الزراعية.

وفي هذا السياق، تنبّهت الجهات ذات الاختصاص بلدية ظفار واللجنة العليا لتخطيط المدن (الملغاة) ووزارة الإسكان إلى المشكلات التخطيطية لمدينة صلالة، التي بدأت تظهر على السطح مع تسارع التوسع السكاني والعمراني، وجود مبان متهالكة، وتداخلات مع إحرامات الطرق، واختناقات مرورية أثرت سلبا على الحركة التجارية والسياحية، وكان لا بد من مراجعة شاملة للمخططات العمرانية، لتأسيس رؤية طويلة المدى توازن بين التوسع والتنظيم، وبين متطلبات التنمية والحفاظ على هوية المدينة.

وقد توج هذا التوجه بصدور المرسوم السلطاني رقم (6/2010)، الذي نص على إعادة تخطيط مدينة صلالة وإزالة المباني المشوّهة، وقد حدد المرسوم، في مذكرته التوجيهية، المناطق المشمولة بإعادة التخطيط ونزع الملكية للمنفعة العامة، وتشمل: الدهاريز الشمالية والجنوبية، وصلالة الجديدة والوسطى والغربية والشرقية، وعوقد الشرقية والغربية، إضافة إلى القوف والزاوية والحصيلة ومركز المدينة. وفي المقابل، استثنيت مناطق البليد والحافة وحيّ الشاطئ من تطبيق صفة المنفعة العامة، لوجود مرسوم سابق يتعلق بتطوير منطقة الحافة، في نهج يعكس حرصا واضحا على تكامل المراسيم السلطانية وعدم تعارضها.

وجاء مشروع إعادة تخطيط مدينة صلالة مكملًا لمرسوم تطوير منطقة الحافة رقم (83/2006)، ضمن رؤية هدفت إلى الارتقاء بالبعد الحضري والاقتصادي والسياحي لمدينة صلالة. ورغم وضوح معطيات المرسومين السلطانيين الساميين، والتوصيات التي دعت إلى الإزالة وإعادة التنظيم وتوسعة الطرق، ظل المشروع عالقا في فجوة مؤسفة بين التخطيط والتنفيذ، ما أدى إلى ضياع فرص تنموية كان من الممكن أن تنعكس إيجابا على المدينة وسكانها.

إن إعادة مشروع تخطيط مدينة صلالة على سكة التنفيذ سيحقق جملة من النتائج الإيجابية ذات الأبعاد العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، من أبرزها تحسين المشهد الحضري العام من خلال تنظيم الكتل العمرانية وتوسعة شبكة الطرق الداخلية، بما يعزز الانسيابية المرورية ويحد من الاختناقات. كما يسهم في رفع كفاءة استخدام الأراضي، وتوجيه التوسع العمراني وفق أسس تخطيطية واضحة، وتوفير مساحات للمرافق العامة والخدمات الأساسية، بما ينعكس إيجابا على جودة الحياة الحضرية.

وسيعزز المشروع جاذبية صلالة للاستثمار السياحي والتجاري عبر تهيئة بيئة عمرانية منظمة، وتطوير المناطق الحيوية، وتحسين البنية الأساسية، بما يدعم الحركة الاقتصادية، ويعزز دور المدينة كمركز سياحي واقتصادي مع دورها الإداري لمحافظة ظفار. كما يوفر فرصة لتعزيز الاستدامة البيئية من خلال الحفاظ على الخصوصية الزراعية والبيئية للمدينة، ودمج المساحات الخضراء في النسيج العمراني، والحد من التمدد العشوائي، بما يتوافق مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية 2040.

وفي المحصلة.. فإن تأخر تنفيذ مشروع إعادة تخطيط مدينة صلالة، رغم وضوح مبرراته وأهميته العمرانية والتنموية، يستدعي وقفة جادة وإعادة نظر في آليات التعامل مع هذا الملف الحيوي. المشروع لم يعد مجرد خيار تخطيطي مؤجل؛ بل استحقاق عمراني تفرضه التحديات المتراكمة، وتدعمه المراسيم السلطانية الصادرة، وتؤكده مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية، ورؤية “عُمان 2040”.

وفي ختام هذه المقال نأمل أن يحظى ملف إعادة تخطيط مدينة صلالة بالاهتمام اللازم؛ بما يسهم في تحريك هذا المشروع الحيوي، وترجمته إلى خطوات عملية تخدم المدينة وسكانها، وترتقي بصلالة كحاضرة سياحية واقتصادية، تحافظ على هويتها، وتواكب تطلعات المستقبل، في ظل النهضة المتجددة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه.

شاركها.