خالد بن عمر المرهون **
في مشهدٍ صادم للمجتمع الدولي، أعلنت الولايات المتحدة أنها نفَّذت فجر يوم السبت الثالث من يناير 2026، ضربةً عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، مُعلنةً خلالها اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية لمحاكمتهما.
وبذلك ارتكبت واشنطن أكثر من جريمة؛ أولها: جريمة العدوان، التي عرَّفها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 الصادر في 14 ديسمبر 1974، بأنه استخدام القوة المسلحة من دولة ضد سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية، أو استقلالها السياسي، أو بأي طريقةٍ أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وكذلك عرَّفتها تعديلات نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في كمبالا 2010 بنفس التعريف تقريبًا.
وتُعد جريمة العدوان جريمة جنائية دولية، وخرق صريح لمبدأ سيادة الدولة، وفق ميثاق الأمم المتحدة؛ حيث يعد هذا المبدأ، حجر الزاوية في القانون الدولي. وقد أكد ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية على “المساواة في السيادة بين جميع أعضائها“، كما حظر “إستخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي” لأي دولة. أو بمفهوم آخر، لا يجوز لأي دولة اللجوء للقوة العسكرية لتغيير حكومة دولة أخرى، أو التدخل في شؤونها الداخلية.
لذا.. يُعد استخدام القوة في القانون الدولي محظورًا، وحتى في الحالتين اللتين استثناهما ميثاق الأمم المتحدة، وهما الدفاع عن النفس وفق المادة (51)، أو تفويض صريح لمجلس الأمن، لا تنطبقان على ما حصل في فنزويلا؛ حيث تقيد المادة (51) من الميثاق حق الدفاع عن النفس بوقوع “هجوم مسلح فعلي“. وبالطبع لا يوجد تفويض من مجلس الأمن للولايات المتحدة للقيام بهذا العدوان.
أما التبرير المُتعلِّق بمكافحة المخدرات، فلا يُعد بكل المقاييس سندًا قانونيًا يُجيز للولايات المتحدة استخدام القوة ضد فنزويلا، وفقًا لفقه القانون الدولي. ويُعد اختطاف الرئيس الفنزويلي جريمةً أخرى، وخرقًا للقانون الدولي، وتحديدًا القواعد الدولية الخاصة بحصانة كبار المسؤولين. كما يُعد انتهاكًا جسيمًا لمبدأ الحصانة السيادية لرؤساء الدول؛ وهي الحماية القانونية التي تمنح لرئيس الدولة بصفته لا بشخصه، وهدفها احترام سيادة الدولة وحماية رمزية الدولة التي يُمثِّلها، وتمكينه من أداء مهامه دون عرقلة، مُستندةً في ذلك إلى العُرف الدولي، وما تضمنته ضمنيًا اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، واتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969، والدساتير الوطنية، وأحكام القضاء الدولي، وتحديدًا الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية. وتحمي هذه الحصانة رؤساء الدول من: التوقيف، أو القبض، أو التفتيش، أو المقاضاة، وتمتد إلى محل الإقامة، والممتلكات، ووسائل النقل الرسمية، وتنتهي بانتهاء المنصب.
وطبعًا، مع استثناء مُعيَّن وفق المادة (27) من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، التي تنص على عدم الاعتداد بالصفة الرسمية، ولا اعفاء رؤوساء الدول من المسؤولية في حالة ارتكابهم جرائم. وطبعًا، الولايات المتحدة لم تقُم برفع دعوى على الرئيس الفنزويلي مادورو لدى المحكمة؛ لأنها في الأصل لا تعترف بكل ما يصدر عن هذه المحكمة. ومن المُضحكات المُبكيات في هذا العصر الأمريكي، أن الولايات المتحدة تقوم باعتقال أو اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، لوجود شبهة غير مؤكدة في ارتكابه جرائم، وفي ذات الوقت تقوم بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية؛ لقيامها بإصدار أمر اعتقال لرئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، لقيامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، راح ضحيتها أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح، وتدمير تام للبنية التحتية بالكامل تقريبًا، ومسح مدينة كاملة ومقومات الحياة فيها من على وجه الأرض.
وبالعودة إلى العلاقات الأمريكية الفنزويلية، نرى أنها بدأت في مطلع القرن التاسع عشر، حين حصلت فنزويلا على استقلالها من إسبانيا، ضمن جمهورية كولومبيا الكبرى عام 1819، ثم انفصلت عنها عام 1830، بعد اندلاع صراع داخلي على السُلطة، أدى إلى انهيار هذه الجمهورية، وتقسَّمت إلى 3 دول مستقلة؛ هي: فنزويلا والإكوادور وكولمبيا، والذي على ضوئه اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية في 28 فبراير من العام 1835 رسميًا بفنزويلا، وأقامت معها علاقات دبلوماسية قوية، مدفوعةً بدعمها التاريخي لحركات الاستقلال في أمريكا الجنوبية، وتأثُّر القادة الفنزويليين بالفكر الدستوري الأمريكي.
واستمرت هذه العلاقة في التطور والتعاون في كل المجالات، وتحديدًا في المجال التجاري؛ حيث شهد القرن العشرين تحولًا اقتصاديًا مُهمًا في فنزويلا مع اكتشاف النفط؛ إذ زادت أهمية هذه الدولة بشكل كبير على الصعيد الدولي؛ مما جعلها لاعبًا رئيسيًا في سوق الدولار الأمريكي. واستثمرت شركات أمريكية كبرى في قطاع النفط الفنزويلي حتى العام 1976، عندما قررت الحكومة الفنزويلية تأميم القطاع؛ مما أتاح للدولة السيطرة الكاملة على الشركات الوطنية للنفط.
ومع صعود الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز إلى السُلطة في العام 1999، ومن بعده الرئيس نيكولاس مادورو في 14 أبريل 2013، اتجهت العلاقات بين البلدين إلى التوتر التام، بسبب التوجهات اليسارية للقادة الفنزويليين، وعدم قبولهم للخضوع للإملاءات الأمريكية. وقد نتج عن هذا التوتر في العلاقات بين البلدين، قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية صارمة على فنزويلا، وقطع العلاقات الدبلوماسية، ودعم واشنطن للمعارضة الفنزويلية، ومحاولة إسقاط النظام، كان نتيجتها انهيار شبه تام للاقتصاد الفنزويلي، وتوجه البلاد بالمقابل إلى علاقات مع روسيا والصين، وكذلك دعم قادة البلاد للحق الفلسطيني؛ مما جعلهم تحت مجهر واستهداف الصهيونية العالمية.
إنَّ جمهورية فنزويلا البوليفارية التي تملك أكبر احتياطي نفط في العالم يُقدَّر بأكثر من 303 مليارات برميل، ما يجعلها مطمعًا للإدارة الأمريكية، لم يثبت تورُّطها على الأقل في السنوات الأخيرة في تصدير المخدرات للولايات المتحدة. وهذا ما أكدته عدة شخصيات سياسية أمريكية؛ منها السيناتور الديموقراطي كريس ميرفي، الذي قال بوضوح، إن الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال الرئيس مادورو ليس له علاقة بالمخدرات، فنحن نعلم في الولايات المتحدة أن فنزويلا لا تقوم بتصدير المخدرات للولايات المتحدة، وأن الهدف الرئيسي من هذا الهجوم مرتبطٌ بطريقة أو بأخرى بقطاع النفط. بمعنى رغبة الولايات المتحدة في السيطرة على هذه الثروة الضخمة التي تمتلكها فنزويلا.
لقد أطلقت الولايات المتحدة بعدوانها الصادم على دولة ذات سيادة، واختطافها رئيس هذه الدولة وزوجته من قصرهما، رصاصةَ الرحمة على القانون الدولي، وأعادت بامتياز مفهوم “شريعة الغاب” في العلاقات الدولية؛ حيث بإمكان الآخرين أن يحذوا حذوها، ويأكل القوي الضعيف، وهو امتداد لما حدث ويحدُث في الأراضي الفلسطينية، وتحديدًا في قطاع غزة، على مدى أكثر من عامين من الجرائم والمجازر، والخرق العلني والاستخفاف بالقانون الدولي، الذي يقوم به الكيان الصهيوني المُجرم تجاه المدنيين الفلسطينيين، وبدعم علني وصريح من الولايات المتحدة وكبريات العواصم الغربية، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه في العدوان على فنزويلا ورئيسها.
لذا.. لا يمكن القول تجاه ما حدث من ازدراء وخرق ونسف للقانون الدولي واعتباره والعدم سواء، إلَّا: “صلوا على ميتكم“.
** متخصص في القانون الدولي والشؤون السياسية
