عيسى الغساني

كانت الحروب تاريخيًا محصورة في ميادين البر والجو وسطح البحر، قبل أن تمتد لاحقًا إلى الفضاء الخارجي. غير أن التطورات التقنية والمعرفية المعاصرة أفرزت ميدانًا جديدًا للصراع يتمثل في قاع البحار، الذي بات يعد أحد المسارح الاستراتيجية الناشئة للحروب الحديثة. ويتميز هذا المجال باتساعه الجغرافي وتعقيده التقني وتفاوت القدرات العلمية والتكنولوجية بين الدول، كما تحكمه اعتبارات خاصة تتصل بالسرية والاحتكار المعرفي والتوظيف العسكري المتقدم للعلم والتقنية، الأمر الذي لا يفضي إلى تحقيق تفوق عملياتي فحسب، بل يرسخ أيضا تفوقا استراتيجيا طويل الأمد في موازين القوة الدولية.

ويُقصد بعسكرة قاع البحار توظيف الأعماق البحرية، وما تحتويه من بنية تحتية وموارد وممرات استراتيجية، لأغراض عسكرية تتصل بالمراقبة والردع والهجوم والدفاع، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسائل غير معلنة. هذا التحول يعكس انتقال الصراع الدولي من المواجهة العلنية إلى حروب صامتة منخفضة الظهور وعالية الأثر.

من الناحية العسكرية، يمثل قاع البحار بيئة مثالية للعمل الاستراتيجي لثلاثة أسباب رئيسية. أولها الخفاء العملياتي؛ فالأعماق الكبيرة تقلل من احتمالات الرصد، وتمنح القوات البحرية، خاصة الغواصات، قدرة عالية على المناورة دون اكتشاف. ثانيها الأهمية الحيوية للبنية التحتية البحرية، إذ تمر الغالبية الساحقة من الاتصالات الدولية ونقل البيانات عبر كابلات ممتدة في قاع المحيطات. أما السبب الثالث فيكمن في قيمة الردع الاستراتيجي، حيث تشكل الغواصات الحاملة للصواريخ ركيزة أساسية في عقيدة “الضربة الثانية” لدى القوى الكبرى.

وتتجسد عسكرة قاع البحار اليوم في مجموعة من الآليات العملية المتقدمة. في مقدمتها نشر شبكات الاستشعار الصوتي التي ترصد حركة الغواصات والأجسام غير المألوفة، وهي امتداد حديث لأنظمة الحرب المضادة للغواصات. كما تطورت قدرات الغواصات المسيّرة غير المأهولة التي تؤدي مهام استطلاع، وزرع مجسّات، بل وتنفيذ عمليات تخريب دقيقة دون المخاطرة بالعناصر البشرية. وإلى جانب ذلك، برزت وحدات بحرية متخصصة في حماية الكابلات البحرية أو تعطيلها، ما يجعل قاع البحر نقطة ضغط استراتيجية قد تشل اقتصاد دولة كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة.

ولا يقتصر الأمر على الوسائل الفيزيائية، بل يمتد إلى الدمج بين الحرب البحرية والحرب السيبرانية. فاستهداف محطات إنزال الكابلات أو أنظمة التحكم بها يتيح الجمع بين التخريب المادي والهجوم الرقمي، وهو نمط صراع يصعب إسناده قانونيًا أو إثباته سياسيًا. كما ظهرت مؤشرات على اتجاه بعض الدول إلى تسليح القاع نفسه عبر ألغام ذكية ومنصات مخفية، ما يحول الأعماق إلى ميدان جاهز للاشتعال عند أي تصعيد.

قانونيًا.. لا تزال عسكرة قاع البحار تتحرك في منطقة رمادية؛ فرغم أن القواعد الدولية تؤكد على الاستخدام السلمي للأعماق، إلّا أن التطور التقني، والطبيعة المزدوجة للعديد من الأنظمة (مدنية/ عسكرية)، جعلا الواقع العسكري يتقدم بخطوات سريعة على النصوص القانونية. هذا الفراغ يفتح المجال لممارسات يصعب ضبطها أو محاسبتها.

خلاصة القول.. إنَّ قاع البحار بات الجبهة الصامتة في صراعات القرن الحادي والعشرين. فمن يملك القدرة على الرصد والسيطرة في الأعماق، يملك مفاتيح الاتصال العالمي، والردع الاستراتيجي، والمفاجأة العملياتية. وفي عالم تتجنب فيه الدول المواجهة المباشرة، قد تبدأ الحرب المقبلة من حيث لا يُرى.. من أعماق البحر!

شاركها.