شمسة الريامية
قبل 6 أعوام، كانت الأرقام تتحدث بوضوح؛ دينٌ تراكمي يلامس حدود العشرين مليار ريال عُماني، واقتصادٌ يخطو على أرض النفط بنسبة اعتماد تجاوزت 80%، كمن يسير في طريق واحد لا يرى سواه؛ فجاءت رؤية “عُمان 2040″، والسياسات المالية الرشيدة لتكتب فصلًا جديدًا في قصة الوطن.
إصلاحات اقتصادية أعادت التوازن، وفتحت أبواب التنوع الاقتصادي، حتى أصبحت سلطنة عُمان اليوم أكثر قدرة على مُواجهة تقلبات الأسواق وهزات الأزمات العالمية، ثابتة الجذور، شامخة كجبل لا تهزه الرياح. اليوم تراجع الدين العام من 20.7 مليار ريال عُماني إلى 14.7 مليار ريال بنهاية عام 2025، وذلك بفضل تطبيق سياسات التوازن المالي ضمن الخطة الخمسية العاشرة؛ الأمر الذي انعكس إيجابًا على التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان، وجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات.
وفي رحلة التنويع الاقتصادي، لم تكتفِ سلطنة عُمان برسم الأحلام على الورق، بل جعلتها واقعًا نابضًا بالحياة، التفتت إلى الشمس والرياح لتصنع من الطاقة المتجددة مستقبلًا مستدامًا. وفتحت أبواب السياحة لتروي للعالم حكاية الجمال العُماني، ومدّت جسور الخدمات اللوجستية لتربط الشرق بالغرب، فيما احتضنت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتكون بذورًا تنمو في أرض الفرص. وفي ظل هذه اخبار عمان، تهيأت بيئة أعمال أكثر تنافسية، فانطلقت الاستثمارات، وتعددت مصادر الدخل، حتى ارتفعت مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى 41% بين عامي 2020 و2025 معلنةً أن الاقتصاد العُماني لم يعد أسيرًا لبرميل النفط، بل أصبح لوحةً متعددة القطاعات، قادرة على مواجهة المستقبل بثقة واقتدار.
وقد خطت سلطنة عُمان خطوة جريئة نحو المستقبل، فأطلقت مشروعًا استراتيجيًا لتطوير أشباه الموصلات في المنطقة الحرة بصلالة، لتكون في قلب الثورة التقنية التي يقودها الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وشبكات الجيل الخامس والسيارات ذاتية القيادة. مشروعٌ يأتي في لحظة فارقة؛ حيث يتوقع أن يبلغ حجم سوق أشباه الموصلات عالميًا تريليون دولار بحلول عام 2030؛ لتؤكد عُمان أنها ليست متفرجة على التحولات، بل صانعة لها.
وفي ميدان الطاقة النظيفة، عززت عُمان حضورها بمشاريع الهيدروجين الأخضر، لتصبح وفق التوقعات أكبر مصدر لهذه الطاقة في الشرق الأوسط، وتضع نفسها في الصفوف الأولى للدول المساهِمة في التحول العالمي نحو الاستدامة. إنها ليست مجرد مشاريع، بل رؤية تتجسد، وطموح يكتب لعُمان مكانًا في خريطة المستقبل، حيث التقنية والطاقة النظيفة هما لغة الغد.
وفي الأسبوع الماضي، جاءت موافقة مجلس الوزراء على إنشاء مركز عُمان المالي العالمي ليكون منصة إقليمية وعالمية تستقطب أنشطة الخدمات المالية الخارجية، وترفع مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي، وتفتح آفاقًا لنقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية في مجالات المال والرقابة، لتكون عُمان قلبًا نابضًا في عالم المال والأعمال.
كما أطلقت الحكومة عدة مشاريع استراتيجية بقيمة 1.4 مليار ريال عُماني في الأمن الغذائي والخدمات الصحية والبنية الأساسية، لتؤكد أنَّ التنمية ليست شعارًا؛ بل التزام راسخ بتحسين معيشة المواطن وتنمية الاقتصاد. ولم تغفل الحكومة عن المستقبل، فأعلنت عن تطبيق ضريبة الدخل على أصحاب الدخل المُرتفع بحلول عام 2028، في خطوة جريئة نحو تعزيز الاستدامة المالية، وضمان اقتصاد متوازن يواكب تطلعات الغد.
وهذه الإنجازات ليست مجرد أرقام؛ بل هي دليل على رُؤية واضحة وإرادة قوية، تؤكد أنَّ عُمان في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه تسير بخطى واثقة نحو مستقبل أكثر إشراقًا، قائم على التنوع الاقتصادي، الابتكار، والاستدامة.
والمرحلة المقبلة ليست مجرد امتداد للزمن؛ بل منعطف حاسم يتطلب أن نضع الإنسان في قلب المعادلة.. الباحث عن عمل، والمُسرَّح من وظيفته، وكل مواطن يتطلع إلى حياة كريمة. وهذه الغاية لن تتحقق إلّا بفتح الأبواب أمام الاستثمارات، وبناء اقتصاد متنوع لا يركن إلى مصدر واحد؛ بل يستند إلى أعمدة قوية من السياحة واللوجستيات والصناعات التحويلية، لتكون روافع التنمية الحقيقية. ولقد جاءت الخطة الخمسية الحادية عشرة حاملة هذه الأهداف، كخارطة طريق ترسم ملامح المُستقبل، وتؤكد أنَّ عُمان تمضي بخطى واثقة نحو تنمية شاملة؛ حيث تتلاقى الطموحات مع العمل الجاد، ويُصبح الازدهار واقعًا لا حلمًا.
