عمر بن حميد العبري **

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة، وتنافس الأسواق الإقليمية على استقطاب رؤوس الأموال، تبرز قرارات سوق العمل كعامل محوري في تشكيل بيئة الاستثمار؛ فالمستثمر سواء كان محليًا أو أجنبيًا لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو الفرص المتاحة؛ بل يضع في مقدمة اعتباره عنصرًا بالغ الأهمية: استقرار التشريعات ووضوح اخبار عمان التنظيمية.

ووجود تنظيم واضح لسوق العمل أمر لا خلاف عليه؛ بل هو ضرورة لضبط الممارسات، وحماية حقوق العاملين، وتحقيق التوازن بين متطلبات التوطين وجذب الاستثمار. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في آلية إصدار القرارات ومدى استقرارها وامتدادها الزمني.

الاستثمار بطبيعته نشاط طويل الأجل، يحتاج إلى خطط تمتد لثلاث أو خمس سنوات على الأقل. وأي تغيّرات متكررة أو مفاجئة في الرسوم أو الاشتراطات ترفع من مستوى المخاطر، وتُربك الحسابات المالية، وتُضعف القدرة على التنبؤ بالتكاليف المستقبلية. المستثمر لا يخشى القوانين، لكنه يتوجس من عدم الاستقرار.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية أن تكون قرارات وزارة العمل مبنية على استراتيجية واضحة بعيدة المدى، معلنة ضمن إطار زمني محدد، ومتدرجة في التطبيق، بما يمنح السوق فرصة للتكيف دون إرباك. فالقرارات قصيرة الأجل، حتى وإن كانت تهدف إلى تصحيح مسار، قد تُحدث أثرًا عكسيًا إذا لم تُدرس انعكاساتها التشغيلية والمالية بدقة.

ومن أبرز القرارات التي أثارت جدلًا في الأوساط الاقتصادية قرار مضاعفة الرسوم على المنشآت غير الملتزمة بنسب التعمين المُقررة، مقابل منح المنشآت الملتزمة تخفيضًا بنسبة 30%. ومن حيث المبدأ، فإنَّ تحفيز الالتزام هدف مشروع ومطلوب، غير أن التساؤل المطروح يتعلق بأثر هذا القرار على أرض الواقع؛ فالمنشآت التي تكافح أصلًا من أجل الاستمرار والالتزام في ظل التزامات مالية ورواتب وإيجارات وقروض قد تجد نفسها أمام أعباء مضاعفة تفوق قدرتها التشغيلية، ما يعرّضها لمخاطر تعثر السيولة أو حتى التوقف.

وفي المقابل، قد لا تتأثر بعض الأنشطة غير النظامية أو ما يُعرف بالتجارة المستترة بالدرجة نفسها، نظرًا لضعف التزاماتها الرسمية وانخفاض ارتباطها بالأعباء النظامية.

هنا تظهر مفارقة اقتصادية حساسة؛ إذ قد تؤدي القرارات ذات الأثر المالي الكبير إلى الضغط على المنشآت النظامية الملتزمة أكثر من ضغطها على الأنشطة غير المنظمة، وهو ما قد يُضعف الكيانات الرسمية بدل أن يعززها، ويخلق بيئة غير متكافئة داخل السوق. كما أن أي قرار يُنظر إليه باعتباره قصير الأجل أو قابلًا للتراجع يرفع من مستوى القلق الاستثماري، ويدفع المستثمرين إلى التريث أو تقليص التوسع أو الاحتفاظ بسيولة احترازية بدل ضخها في مشاريع جديدة. وفي بيئة تنافسية، غالبًا ما يتجه رأس المال إلى الأسواق الأكثر استقرارًا ووضوحًا.

لا ريب أن تحقيق أهداف التوطين وتنظيم سوق العمل، يمثل مسؤولية وطنية مشتركة، غير أن نجاحها يتطلب أدوات متدرجة، وحوافز مستدامة، ورؤية اقتصادية بعيدة الأمد تراعي واقع الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة؛ إذ إنَّ السياسات الفاعلة لا تُقاس بسلامة الهدف فحسب؛ بل بقدرتها على التطبيق دون إحداث اضطراب واسع في السوق.

وفي المحصلة، فإنَّ جاذبية أي اقتصاد لا تعتمد على الحوافز وحدها؛ بل على الثبات والوضوح والقدرة على التنبؤ. فالاستثمار لا يبحث عن غياب التنظيم؛ بل عن تنظيم مستقر برؤية طويلة المدى، يحقق التوازن بين حماية سوق العمل وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.

** عضو سابق في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة بمحافظة الظاهرة

شاركها.