علي بن سالم كفيتان  

لم تكن إشارة عادية ولا ابتسامة عابرة؛ بل عانقت فينا الكثير من الشعور بالنصر، في خضم الجحود الذي نواجهه ونحن نخلط الليل بالنهار ليعم الأمن والسلام ونبعد شبح الحروب التي يطبل لها البعض من السفهاء في منطقتنا، ويحيكون الدسائس لاستمرار التوتر والفوضى.

لوّح راعي ظبية بيده رافعا إبهامه من جنيف بأن الأمور على ما يرام وأن الفرقاء على مقربة من إبرام اتفاق تاريخي برعاية عُمانية؛ فعُمان هي سويسرا الشرق الأوسط التي يحج لها المتخاصمون لأنهم يحسون بدفء دولة راسخة وبرتوكول إمبراطورية زاحمت العظماء ولا زالت تحافظ على ذلك الشعور العظيم إلى اليوم، ولا زال العالم يعرف أننا أمة صنعت التاريخ. لهذا يحتكمون إلينا، ونحن بدورنا نعرف كيف نتحدث إلى أسياد العالم دون تقديم القرابين، فما كان للولايات المتحدة الامريكية ولا إيران أن تقبلا بدور عُماني وسيط إلا لشعور الطرفين بندية الموقف وحصافة الرأي الذي يقوده معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي وزير الخارجية.      

يمتد تاريخ الرجل الذي لوح بيده مساء الخميس من جنيف إلى ملوك خاطبهم النبي محمد بن عبد الله صلى الله وعليه وسلم، ولأسرة حكمت أجزاءً واسعة من جزيرة العرب وساحل فارس مروراً حتى الرأس الأخضر في أقاصي إفريقيا؛ فتمرست في مخاطبة الأمم واستطاعت أن تروض كل عنيد. 

الحقيقة أنني لم أقابل السيد بدر إلا عبورا في مناسبة عامة بمسقط العامرة ولا تربطني به صله غير أنه رجل تولى دفة قيادة الخارجية العُمانية في العهد المتجدد وأتابعه بعناية ككاتب في الشأن الوطني، ومع مرور الأيام يزداد إيماني كمعظم العُمانيين أن راعي ظبية (اسم شهرة لوالده رحمه الله) استطاع أن يرسم لنفسه مكانة عميقة في قلوب الناس بشخصيته الهادئة وابتسامته الخافتة وعلامات وجهه الغامضة؛ كلها تجمع رجلًا من رجالات عُمان؛ ورث الدبلوماسية عن أحمد بن النعمان الكعبي أول مبعوث عُماني إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1840 مبعوثاً من السيد سعيد بن سلطان إلى الرئيس مارتن فان بيورين، وأُجزم بأن الأمريكيين مع اختلافهم على الحكم بين الجمهوريين والديمقراطيين يعرفون عُمان جيداً ويحترمون مواقفها، بدليل أن مسقط مثلت بوابة للتفاوض مع الإيرانيين وغيرهم؛ سواء كان الحزب الحاكم في واشنطن ديمقراطيا أو جمهوريا، وهذا يمثل إجماعًا في العقل الباطن الأمريكي على دور عُمان ونزاهتها وقوتها الناعمة في الشرق الأوسط.  

عُمان ليست دولة وظيفية تحرس أجندات الغير ولا دويلة تقاوم للظهور في زحام الأمم؛ فراية البوسعيدين مرفوعة منذ قرابة 300 عام، وعُمان كجغرافيا ساكنة في قلب العالم تحرس منذ الأزل ثوابت الاستقرار وتسعى إلى الوفاق ودحر الأطماع والفوضى. عُمان دولة بكل معنى الكلمة؛ فموقفها محسوب بدقة وخطواتها رزينة وتعرف أين يمكنها الوقوف. 

كل ذلك يطبخ في دهاليز قصر العلم والمعمورة والبركة وحصن الشموخ مع سلطان حكيم، يعلم كيف تسيير ساعة العالم وأين تتوجه، لا يطأطئ رأسه ولا يدني هامته الرفيعة للملوك، هو شامخ كشموخ جبل الحجر الذي ظهر خلفه في مسقط يوم تولى مقاليد الحكم في عُمان، يحج إليه الرؤساء والملوك، ليس خفيفاً يحلق بطائرته صباح مساء بين عواصم الغرب طلباً لودها.

من هنا ترسخت القوة العُمانية وفتحت المدرسة القابوسية في العلاقات الدولية السوية والحياد الإيجابي والتدخل من أجل خير البشرية وبسط رداء السلام في المنطقة والعالم.  

العالم ينتظر تصريح السيد بدر، فقال لهم بعد محادثات جنيف موعدنا في فينا الأسبوع المقبل في ظل تقدم كبير في مجريات الأمور وانفتاح الطرفين على أبواب الحل السلمي للأزمة.

بعدها ستعود الأساطيل الأمريكية إلى قواعدها قريباً وستعود إيران إلى المجتمع الدولي وستتخلى عن سياستها الرامية لتصدير الثورة وكسب النفوذ في المنطقة العربية إلى الشراكة والانفتاح والخروج من قبو العقوبات التي أنهكت الشعب الإيراني لعقود، كل ذلك تقوده عُمان مدعومة بأشقائها في الخليج العربي والشعوب الحرة في العالم، سننتظر دورة فيينا وعسى أن تبدأ المفاوضات المباشرة بين الوفدين ويتم حلحلة أصعب النقاط العالقة في طريق الاتفاق، ونرى الوفدين يتصافحان والعالم يصفق للاتفاق كما كانت الصورة عام 2015.

ولكم أن تروا موقف عُمان من قضايا أخرى في الشرق الأوسط تدعمها أمريكا؛ فقد قال السيد بدر إن عُمان لن تكون طرفًا في الاتفاقيات الإبراهيمية حتى يعترف العالم بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

كم أنتِ عظيمة يا بلادي.

شاركها.