عبدالرحمن الزيدي **
أصبحت جرائم النصب والاحتيال في السنوات الأخيرة من أكثر القضايا انتشارًا في الساحة القانونية والاجتماعية، ليس لقوة المحتالين فحسب، بل لتميّزهم بالقدرة على استغلال ثغرات الثقة الإنسانية، وتنوّع أساليبهم بما يناسب طبيعة كل ضحية، وبتقنيات تجعل الخديعة تبدو في بدايتها “صفقة آمنة” أو “فرصة ذهبية”.
لا يبدأ الاحتيال عادةً بخطوة صادمة، بل بتدرّج مدروس، رسالةٌ راقية، عرض مُغرٍ، معلومات تبدو رسمية، ووعد بنجاح سريع أو ربح مضمون، المحتال المُعاصر لا يعتمد على الخداع التقليدي، بل يعمل على خلق صورة ذهنية مطمئنة، تُشعِر الطرف الآخر بأنه أمام شخص محترف، مطّلع، وذو نوايا حسنة، ولأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق ما يتوافق مع رغباته وطموحه؛ فإن هذا النوع من “الخداع العاطفي” ينجح بفاعلية كبيرة.
تقوم هذه الجرائم في جوهرها على معادلة بسيطة: طرف يقدّم وهمًا، وطرف يمنح ثقة دون تحقّق، وبين الطرفين مساحة واسعة تنشأ فيها الجريمة، حيث تتحول الوعود إلى خسائر، والتحويلات المالية إلى صمت، والبحث عن الحقيقة إلى مواجهة قانونية معقدة.
كما أن المحتالين اليوم يستفيدون من البيئة الرقمية؛ إذ انتقلت الكثير من عمليات النصب من اللقاءات المباشرة إلى الرسائل الفورية، ومن التعاملات الورقية إلى صفحات مزيفة ومشاريع وهمية، هذا التحول أوجد حالة جديدة من الاحتيال أكثر سرعة وأعمق أثرًا؛ لأنها تعتمد على عامل المسافة، الذي يجعل الضحية أقل قدرة على التحقق، وأكثر ميلًا للتصديق.
ومن الناحية القانونية، تواجه الجهات المختصة تحديات كبيرة في تتبّع بعض هذه الجرائم بسبب تنقل الحسابات، وتعدد الدول، واستخدام وسائل تخفي رقمية، مما يجعل الوصول للمحتال مسألة تحتاج وقتًا وجهدًا، ومع ذلك، تظل القوانين واضحة في تجريم كل من يقدّم معلومات كاذبة أو يستولي على أموال الغير بطرق احتيالية، سواء كان الفعل إلكترونيًا أو تقليديًا.
وتبرز أهمية الوعي أكثر من أي وقتٍ مضى؛ إذ تُشير الوقائع إلى أن كثيرًا من الضحايا كانوا قادرين على تجنب الخسارة لو قاموا بخطوة بسيطة واحدة وهي: التحقق. وأقصد هنا التحقق من هوية الشخص، ومن سجلّه، ومن جهته، ومن مدى مصداقية العَرض، ومن أمان وسائط الدفع التي يستخدمها، ففي الوقت الذي تتنوع فيه أساليب الخداع، يبقى التحقّق هو خط الدفاع الأول الذي يوقف سلسلة الاحتيال قبل أن تبدأ.
إن جرائم النصب ليست مجرد اعتداء على المال، بل على الشعور بالأمان، وعلى مبدأ الثقة الذي يُبنى عليه المجتمع، ولذلك فإن مواجهتها لا تعتمد على القوانين وحدها، بل على تعزيز الثقافة القانونية بين الناس، ودعم فكرة أن الحذر فضيلة، وأن أي معاملة مالية أو وعد استثماري لا يثبت عبر المستندات والوضوح يظل ضمن دائرة الشك مهما بدا جميلًا ومنظّمًا.
وفي عالم تتسارع فيه الفرص وتزداد فيه المخاطر، تبقى الحكمة في التحقّق قبل الثقة أفضل حماية للمال، والطمأنينة، وكل خطوة في سبيل التأكّد تحميك من الوقوع كضحية نصب واحتيال.
** محامٍ
