محفوظ بن راشد الشبلي

[email protected]

كانوا الشيّاب سابقًا يُرددون لنا عبارة من سَبق لَبق، وكُنا نفهم معناها ولكن لا نُعير لها اهتمام ونأخذها بمحمل التسلية لزرع الابتسامة في قلوبنا من قِبلهم، وكان في العمل كذلك يُردد لنا أحد المسؤولين نفس العبارة كي يحثّنا على الهِمة والنشاط ولكي نسبق الآخرين في مهام عملنا وفعلًا كنّا كذلك.

في وقتنا الحاضر تدور في أذهاننا نفس العبارة عندما نتأخر ولو للحظات عن موعد مُعين، أو عند وصولنا لمحل قد أغلق قبل وصولنا ببرهة من الوقت، أو عندما نجد تأخرنا عن تكبيرة الإمام وتفوتنا الركعة الأولى في الصلاة ونردد العبارة نفسها.

ولكن من أغرب ملامح التأخّر هو أن تجد البعض قد وصل فعلًا ولكنّه يتعمّد التأخر لِيُأخّر بنفسه عن كسب الفضائل والهِبات والمُعطيات، والأمر غريب في كيفية تعامل البعض في هذه المسألة، وكأنهم ليسوا بحاجة للتقدم للأمام بخطوة ويُفضلون البقاء في المؤخرة، بينما الباقين وصلوا من بعدهم ولكنهم واضبوا وزاحموا وحثّوا الخطى في السير ليصلوا أولًا وليكونوا في الأمام وفي مُقدمة الرَكب، وبرغم امتلاكهم المقومات التي يتمناها البعض ولو بنسبة واحد بالمئة ليتقدموا بها إلّا إنهم ركنوا واستهانوا واستكانوا وتأخروا وهم يمتلكون التسعة والتسعون بالمئة من نسبة التقدم، ولذلك هم بقوا متأخرين وسيظلون متأخرين، وهُنا تأتي المفارقات في توجّه السَبق والهِمم عند البشر.

وينعكس هذا الأمر كذلك على الأُمم، فقد سَبقت بعضها البعض بتقدمها في شتى المجالات بتسخير جميع الطاقات والمقومات والامكانيات وتقدمت بها، بينما بقت بعض الأُمم تلهث خلفها للّحاق بها نتيجة تأخرهم وانعكس ذلك على رفاهية شعوبها وأجيالها جيلٍ بعد جيل.

وتتجلى صور ذلك الأمر في المسابقات بشتّى أنواعها؛ فالتقدم بفارق النقطة الواحدة يصنع فارقًا في التصنيف وفي سلّم الترتيب، ويتأتّى ذلك بالجهد نحو التقدم لا بالتأخّر الذي يسوق للتدني في السباق.

إن السَبق أجازه اللّه في العبادات كما في التقديم لصلاة الجُمعة، وفي الصفوف الأولى للجماعة في الصلاة والتساهم عليه، كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن للأسف تجد بعض المصلين يُبكّروا الوصول ولكنهم يتأخرون بالجلوس في الصفوف المتأخرة في المسجد، بينما الساحة فاضية أمامهم لنيل المكاسب والهِبات من اللّه في تقدمهم والتسابق عليها للأمام واللّه المستعان. وبعض القوم لا زالوا يتأخرون حتى يؤخرهم اللّه.

وفي ختام القول.. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الواقعة: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)، فلا تُفوِّت فرصة سَبقك وتقدمك وخاصة في كسب الفضائل والمقامات والنجاحات العِلمية والمكانة الأدبية والأخلاقية والشَرفية في كل موقع ومضمار وميدان، وكن من الشُرفاء المُتقدمين لا من المتأخرين المُهانين، واسْمُ بنفسك وأخلاقك وتقدَّم في كل ميدان شَرف مَروم، ولا تتوانى لكي لا تُهان وتُستهان في حضرة القوم فتكون من المتأخرين لا يُحسب لك حساب ولا يؤخذ منك رأي ولا مشورة، ولا تُقدَّم في مجالس النُبلاء ولا في جَمعٍ الحضور، وكن كما قال المتنبي: إذا غامرت في شرفٍ مرومِ فلا تقنع بما دون النجوم، فلا تتأخّر فتتأخّر فتُأخَّر.

شاركها.