د. كلثوم الحسنية

في مقطعٍ وثائقيّ قديم، يعود إلى الواجهة بعد أكثر من عقد، يظهر بطريقٌ يخرج عن سربه ويمشي وحيدًا في اتجاهٍ لا يشبه الطرق المُعتادة. لا دراما في المشهد، ولا موسيقى تُبالغ في المعنى، فقط سؤال الراوي البسيط والمربكBut why ، لكن لماذا؟

قد يبدو السؤال ساذجًا، لكنه في جوهره سؤال وجوديّ بامتياز. لماذا يختار كائنٌ ما أن يبتعد عمّا اعتاده؟ لماذا يغامر بالخروج من الإيقاع الآمن للحياة؟ ولماذا لا يكتفي بما يضمن له النجاة؟

هذا البطريق لم يكن يبحث عن الطعام أو المأوى، بل عن شيءٍ آخر يصعب تسميته. كأنّه تساءل: هل الحياة مجرّد تكرار؟ ذهابٌ إلى البحر، عودةٌ إلى السرب، أيامٌ مُتشابهة تنتهي كما بدأت؟ وما هذا الأفق الواسع الذي أراه كل يوم ولا أقترب منه؟ ماذا يكمن خلفه؟ وكيف يمكن أن تُعاش الحياة خارجه؟

هذا البطريق لم يعد طائرًا قطبيًا، بل صورة للإنسان حين يضيق بالروتين، حين يشعر أن البقاء وحده لا يكفي، وأن النجاة لا تعني بالضرورة الحياة. لقد مثّل الإنسان الذي يُريد أن يعيش لا أن يستمر فقط، أن يختبر المعنى لا أن يكرّر المسار.

الفلسفة لطالما فرّقت بين “العيش” و”الوجود”. فأن تكون موجودًا لا يعني أنك تحيا. الحياة، في بعدها العميق، ليست ما نفعله تلقائيًا، بل ما نختاره بوعي، حتى وإن كان الاختيار محفوفًا بالشك والخسارة.

وفي هذا المعنى، لا يكون الخروج عن السرب تمرّدًا بالضرورة، بل استجابة داخلية لصوتٍ خافتٍ ظلّ طويلًا مؤجلًا. ذلك الصوت الذي يقول إن الاكتفاء بالسلامة قد يتحوّل مع الوقت إلى نوعٍ من الغياب المؤدّب عن الذات. فكم من إنسانٍ التزم الطريق المرسوم، وأتقن الدور المتوقع منه، لكنه كان يشعر في داخله بأن شيئًا ما يُهمل، بأن قلبه يسير بينما روحه واقفة تراقب من بعيد.

ولعلّ أكثر ما يخيف في قرار الخروج ليس الخطر نفسه، بل فكرة أن نكون وحدنا في اختيارنا. السرب يمنح الدفء، نعم، لكنه يمنح أيضًا طمأنينة الإعفاء من السؤال. فحين نسير مع الجميع، لا نُسأل: لماذا اخترت؟ ولا نُحاسَب على المعنى. أما حين نخرج، فنصير وجهًا لوجه مع ذواتنا، بلا وسطاء، بلا تبريرات جاهزة. هنا فقط تبدأ الحياة في امتحانها الأصعب: أن نتحمّل نتائج وعيِنا.

والبطريق، في رمزيته الصامتة، لم يكن يهرب من جماعته بقدر ما كان يقترب من نفسه. لم يكن يسعى إلى بطولة، ولا إلى إثبات اختلاف، بل إلى لحظة صدق مع سؤالٍ لم يعد يحتمل التأجيل. تلك اللحظة التي يدرك فيها الكائن أن التقدّم الحقيقي لا يُقاس بالمسافة التي نقطعها، بل بالمسافة التي نقطعها داخلنا حين نجرؤ على الإنصات لما نخشاه.

وربما هنا تكمن شجاعة البطريق: أنه اختار. خطوة واحدة خارج السرب كانت كافية ليكسر السردية المألوفة، وليعلن أن الحياة ليست دائمًا في الاتجاه الذي يسلكه الجميع.

وقد يكون السرب نجا، لكن البطريق عاش لحظة صدق كاملة مع نفسه. لحظة شعَر فيها بنشوة الاكتشاف، وبأن قلبه يخفق لأنه قرر، لا لأنه اعتاد. وحتى إن انتهت رحلته هناك، فمن الجميل أن نتصوّر أن لحظاته الأخيرة لم تكن خوفًا، بل دهشة، وحماسًا، وشعورًا نادرًا بالحياة.

يعود هذا المشهد لأنه لا يكتفي بأن يُرى، بل لأنه يُشعر. صورة صغيرة، صامتة، تترك في الداخل فراغًا لا يُملأ بالتفسير، بل بالإنصات. كأن البطريق يمضي، ونحن نقف خلفه، نراقب شيئًا فينا يتحرّك ولا نجرؤ على اللحاق به.

لكن لماذا؟ سؤال بسيط، قد يكون بداية طريقٍ مختلف.

 

شاركها.