خالد بن حمد الرواحي

في مقالٍ سابق بعنوان “إرث لا يُورَّث”، تطرّقنا إلى كيف يمكن أن يتبدّد الإرث الإداري مع تغيّر المسؤولين، حين لا تُحسن المؤسسات حفظ ما تراكم فيها من معرفة وتجربة. وقد جاءت تلك المُعالجة من زاوية الأفراد وتجاربهم داخل المنظومة.

ومن هذه الزاوية ذاتها، تتكشف إشكالية أعمق تتجاوز الأشخاص إلى البنية نفسها؛ ففي كثيرٍ من المؤسسات، لا تبدأ المشكلات من نقص الكفاءات، ولا من شحّ الموارد، بل من غياب الذاكرة؛ ذاكرة القرارات التي اتُّخذت، وذاكرة التجارب التي مُرَّ بها، وذاكرة الأخطاء التي دُفِع ثمنها يومًا ثم أُعيد ارتكابها دون انتباهٍ كافٍ. وحين تفقد المؤسسة هذه الذاكرة، لا تتقدم فعليًا، بل تبدأ في الدوران حول نفسها، وتتوهم في كل مرة أنها تبدأ من الصفر… بينما هي، في العمق، تعيد السير إلى الخلف بخطوات واثقة.

والمفارقة أن معظم المؤسسات لا تعاني من قلة الوثائق، بل من ضعف الوعي بقيمتها ودورها الحقيقي. محاضر محفوظة، وتقارير مصنّفة، وتوصيات موقّعة، لكنها لا تُستحضَر عند اتخاذ القرار، ولا تُستثمر عند التخطيط، ولا تُراجَع بجدية عند التقييم. وهكذا تتحول الذاكرة المؤسسية من أداة تعلّم وتصويب إلى مجرد أرشيفٍ جامد، لا يُعاد فتحه إلا لتبرير موقف، أو تحميل مسؤولية، أو البحث عن مخرجٍ متأخر.

وتتعقّد الإشكالية أكثر حين يتغير المسؤول؛ فيتصرف وكأنَّ كل ما سبقه لا يعنيه. فيبدأ بإعادة الهيكلة قبل أن يفهم الهيكل القائم، ويُعدّل السياسات قبل أن يسأل: لماذا وُضعت بهذا الشكل؟ هنا لا يُهدَر الوقت وحده، بل تُستنزف الثقة تدريجيًا، ويجد الموظفون أنفسهم في حالة إرهاق متراكم؛ لأنهم يرون الجهد يُعاد من جديد، والخطأ يتكرر بصيغ مختلفة، والدرس يظل حاضرًا… من دون أن يُستفاد منه.

الذاكرة المؤسسية ليست حنينًا للماضي، ولا تقديسًا للتجارب السابقة، بل شرطٌ أساسي للنضج الإداري واتزان القرار. فالمؤسسة التي تتذكر جيدًا تُخطئ أقل، وتُصحّح أسرع، وتُحسن توظيف خبراتها بدل استنزافها في محاولات متكررة. أمّا التي تنسى، فتُكثر من الشعارات، وتقلّ فيها النتائج، مهما ازدحمت جداول الاجتماعات وتبدّلت العناوين واللافتات.

وفي بيئات العمل الحكومية تحديدًا، تصبح الذاكرة المؤسسية عنصرًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار الإداري واستدامة الأداء. فالتشريعات، والإجراءات، والتجارب الرقابية ليست أوراقًا جامدة أو نصوصًا محفوظة، بل مسارات تعلّم تراكمية صاغتها الممارسة، واختبرتها التجربة، ودُفِع ثمنها عبر الزمن. وكل قرار لا يستند إلى هذا التراكم المعرفي يظل معرّضًا لإعادة إنتاج الإشكال ذاته، مهما تغيّر شكله، أو تبدّلت لغته، أو اختلفت تسمياته.

إن بناء ذاكرة مؤسسية حيّة لا يتحقق بتقارير تُكتب أو أنظمة تُستحدث، بل بثقافة تُمارَس في تفاصيل العمل اليومي؛ ثقافة تُشجّع التوثيق الصادق، وتُقدّر المعرفة المتراكمة، وتربط القرار بالتجربة لا بالمزاج ولا بالارتجال. ثقافة تجعل من سؤال: «ماذا تعلّمنا؟» سؤالًا حاضرًا في كل مرحلة، لا ترفًا إداريًا يُؤجَّل إلى ما بعد وقوع الخلل.

المؤسسات القوية لا تُقاس بقدرتها على التغيير وحده، بل بقدرتها على التذكّر. فالتغيير بلا ذاكرة مغامرة غير محسوبة، والذاكرة بلا تفعيل عبء ثقيل. أمّا التوازن بينهما، فهو الطريق الأكثر اتزانًا نحو إدارة ناضجة، تحترم الإنسان، وتحفظ الجهد، وتُراكم الإنجاز… بدل أن تُعيد اكتشاف ما كان معروفًا في كل مرة من جديد.

 

شاركها.