د. مريم بنت حميد الغافرية
في مواسم الامتحانات، لا يُراجع الطلبة كتبهم بقدر ما يُراجعون عاداتهم القديمة، عادات المذاكرة السريعة، تلك التي تشبه شرب مشروب السفن أب: فتحٌ مُفاجئ، فورانٌ عالٍ، فقاعاتٌ كثيرة، ثم اختفاء سريع بلا أثر غذائي يُذكر.
الطالب في هذه الأيام لا يقرأ، بل يرتشف المعلومة ارتشافًا، يفتح الكتاب كما تُفتح العلبة المعدنية: صوتٌ قوي، حركة سريعة، زخمٌ مؤقت، ثم فراغ، فوران بلا تركيز.
يبدأ الطالب المذاكرة بحماس فجائي خطة طموحة، أقلامٌ ملوّنة، ساعاتٌ مفتوحة…
لكن العقل، كالمشروب الغازي، لا يحتمل هذا الاندفاع، فما إن تمضي دقائق حتى يتبدد التركيز، وتطير الفكرة، وتبقى الفقاعات: حفظٌ بلا فهم، مراجعة بلا تثبيت، وأسئلة تُقرأ ولا تُستوعب.
لماذا يملّ الطلبة دون بذل جهد؟
الملل هنا ليس نتيجة التعب، بل نتيجة السطحية، فالعقل يملّ حين لا يُشغَّل بعمق ويقدم له العلم كوجبة سريعة لا تحتاج مضغًا ولا تفكيرًا.
الطالب يريد النتيجة دون الرحلة، والعلامة دون المعاناة، والفهم دون صبر.
الأجهزة الإلكترونية: هي الغاز الخفي ولا يمكن تجاهل الشريك الصامت في هذه الفوضى: الهاتف، الجهاز اللوحي، الإشعارات، المقاطع القصيرة…
كلها تعمل كغازٍ إضافي داخل العلبة؛ تزيد الفوران، تسرّع الانفجار، وتُفرغ التركيز قبل أن يستقر.
الطالب يذاكر وعينه على الشاشة، يقرأ سطرًا ويشاهد مقطعًا. يحفظ تعريفًا ويرد على رسالة، ثم يتساءل بصدق: لماذا لا أفهم؟
لماذا سفن أب؟ لأن سفن أب لا يُشرب ببطء، لا يُتأمل طعمه، ولا يُحتفظ به طويلًا، بل يُستهلك بسرعة خوفًا من زوال الفقاعات.
وهكذا هي مذاكرة الامتحانات عند كثير من الطلبة: خوفٌ من ضيق الوقت، استعجالٌ في الحفظ، وشعور زائف بالإنجاز سرعان ما يتبخر مع أول سؤال يتطلب تفكيرًا.
أما الأمهات في موسم الامتحانات؛ فحالة طوارئ تربوية من الدرجة الأولى.
إذا كان الطلبة يمارسون (المذاكرة الغازية)، فإن الأمهات – في المقابل – يدخلن فيما يمكن تسميته علميًا بـ (الاستنفار المعرفي الدائم) فمع اقتراب الامتحانات، تتحول البيوت إلى غرف عمليات، وتُعلن حالة الطوارئ القصوى، وتصبح الأم كائنًا متعدد المهام، يعمل بنظام 24 ساعة، دون جدول نوم واضح، أو استراحة معتمدة.
الأم لا تذاكر مادة واحدة، بل تذاكر المنهج كاملًا.
مذاكرة الأم نقيض السفن أب على خلاف الطالب الذي يفتح الكتاب كعلبة مشروب غازي، تذاكر الأم ببطء شديد يشبه الغلي الهادئ:
تكرار السؤال الواحد عشر مرات دون ملل، مراجعة المعلومة نفسها بصيغ مختلفة، ترقّب دائم لأي خلل أو انهيار دراسي مفاجئ.
الأم لا تثق بالفوران، بل تؤمن بالتكرار، ولا تراهن على الاندفاع، بل على الصبر الطويل.
الطالب يشرب السفن أب بسرعة، والأم هي من تتحمّل انتفاخ العلبة!
الطالِب يشعر بالإجهاد بعد ساعة مذاكرة، بينما تبقى الأم في حالة تأهّب حتى آخر ورقة اختبار، تؤجل راحتها، وتعلّق حياتها اليومية على شماعة (بعد الامتحانات).
وهنا تظهر المفارقة: من يذاكر بعمق أقل؛ يتعب أكثر نفسيًا، ومن يذاكر بعمق أكبر (الأم) لا تُمنح حتى شهادة التعب.
الأمهات والأجهزة الإلكترونية صراع غير متكافئ. تخوض الأم معركة موازية مع الأجهزة الإلكترونية.
تحاول الأمهات تقنينها، ضبطها، إبعادها عن الطالب، بينما يراها الطالب “حقَّا مكتسبًا لا يُناقش”، فتصبح الأم حارسة للوقت، ومنظمة للانتباه، ومطفئة للغاز المعرفي المتطاير من الأجهزة الإلكترونية.
كيف نغلق العلبة بهدوء؟
- المذاكرة على جرعات ثابتة لا فورانية، والمعرفة تحتاج إلى وقت لتستقر، لا إلى اندفاع يرهق العقل.
- إغلاق الأجهزة أثناء المذاكرة؛ فالتركيز لا يعيش في بيئة مليئة بالإشعارات، والمعلومة الغيورة لا تُحب المشاركة.
- الفهم قبل الحفظ، والحفظ السريع كالرغوة، أما الفهم فهو السائل الحقيقي الذي يبقى.
- تقسيم المادة إلى وحدات صغيرة أثناء المذاكرة والأصل أن هناك فترات راحة يأخذها الطالب بعد كل وحدة يذاكرها.
- لا تشرب العلبة دفعة واحدة، ولا تذاكر المنهج في ليلة واحدة، واربط المعلومة بسؤال أو مثال.
- الفكرة التي تُناقَش لا تُنسى، والفكرة التي تُحفظ فقط؛ تتبخر.
ليست المشكلة في قِصر الوقت، ولا في صعوبة المناهج، بل في عقلية السفن أب التعليمية:
نريد فورانًا سريعًا بدل بناء هادئ، ونبحث عن انتعاش مؤقت بدل أثرٍ طويل.
فالعلم لا يُشرب، العلم يُرتشف بتأنٍ، ويُهضم بصبر، ويبقى أثره.
ضبط البيئة الرقمية وإيقاف الإشعارات أثناء المذاكرة، تخصيص وقت محدد لاستخدام الأجهزة.
تفعيل الفهم العميق وذلك بتحويل العناوين إلى أسئلة، شرح الدرس بلغة الطالب الخاصة.
التدريب على التفكير لا التذكر: حل أسئلة تحليلية لا نمطية، ومناقشة الأفكار بدل ترديدها.
إعادة تعريف الإنجاز، فالإنجاز ليس عدد الصفحات المنتهية، بل عدد الأفكار المفهومة.
أعزائي الطلبة:
خففوا من (مذاكرة السفن أب) وتعلّموا من أمهاتكم فلسفة الصبر والتكرار؛ فالمعرفة لا تُستعار في ليلة، بل تُبنى عبر أيام الصبر والكفاح.
عزيزاتي الأمهات:
- لستن مطالبات بمذاكرة المنهج نيابة عن أبنائكن، دوركن تنظيمي داعم لا تعويضي.
- اتركن مساحة للطالب كي يتحمل مسؤوليته، فالتعلم الحقيقي يبدأ حين يتوقف الآخرون عن إنقاذنا.
أخيرًا: في موسم الامتحانات، يشرب الطالب السفن أب، وتحمل الأم عبء الفوران.
وما بين اندفاع الطالب وصبر الأم، تتحدد جودة التجربة التعليمية:
إما معرفة عابرة تتبخر، أو تعلم راسخ يتشكل بهدوء تمامًا كما تُحب الأمهات.
