خالد بن حمد الرواحي

في كثيرٍ من المؤسسات، تُدار الأعمال بكفاءةٍ لافتة: إجراءات واضحة، أنظمة دقيقة، مؤشرات أداء، تقارير، ومواعيد لا تتأخر. من الخارج، تبدو الصورة متماسكة ومطمئنة. لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بجدية هو: هل نُدير العمل فقط… أم البشر الذين يقومون به؟

فبين لوحة المؤشرات وبين الإنسان الذي يقف خلفها مسافةٌ نفسية لا تُقاس، لكنها تُحَسّ. هناك فرقٌ كبير بين أن تُدار العملية بإتقان، وأن يُدار الإنسان داخلها بوعي. كثيرًا ما ننجح في ضبط النظام… ونُخفق في فهم من يعمل داخله، ثم نتعجب لاحقًا من فتور الحماس، وتراجع المبادرة، وتحول العمل من رسالة إلى واجب.

إدارة العمل تعني أن نضبط الزمن، ونُحكم الإجراءات، ونقلّل الهدر، ونرفع الكفاءة. أمّا إدارة البشر، فتعني أن نفهم ما الذي يجعل الإنسان يريد أن يُحسن الأداء، لا أن يُنجزه فقط. الأولى تُدار بالأدوات، والثانية تُدار بالوعي؛ وتُقاس الأولى بالأرقام، بينما تُقاس الثانية بالأثر الذي تتركه في النفوس قبل النتائج.

وحين تختلط المفاهيم، يحدث الخلل. نعتقد أن إتقان النظام يكفي للقيادة، وأن ضبط الإجراءات يضمن الالتزام، وأن كثرة التقارير تعني فهم الواقع. لكن الواقع أوسع من ذلك بكثير؛ لأن الإنسان ليس بندًا في إجراء، ولا رقمًا في لوحة قياس، ولا خانةً في نموذج، بل كائنٌ يتأثر بالعدل، والاحترام، والمعنى، وطريقة المعاملة… أكثر مما يتأثر بالتعليمات ذاتها.

تميل المؤسسات، بطبيعتها، إلى ما يمكن ضبطه وقياسه والتحكم فيه. فالزمن يُقاس، والإجراءات تُكتب، والأرقام تُقارن، والأداء يُرصد. أمّا المشاعر، والدوافع، والإحباطات، والتوقعات، فلا تظهر في تقرير، ولا تُرفع في لوحة مؤشرات، ولا تُناقش عادة في اجتماعات الأداء. ولهذا، يسهل أن نهتم بما يظهر، ونهمل ما لا يُرى — رغم أن ما لا يُرى غالبًا هو ما يُحرّك الصورة كلها.

يكفي أن نتأمل الفرق بين موظفٍ ينجز لأنه مطالب، وآخر ينجز لأنه مقتنع… لندرك اتساع المسافة بين الحالتين.

ومع الوقت، تتكوّن ثقافة مؤسسية غير مقصودة ترى الإنسان من حيث وظيفته، لا من حيث إنسانيته؛ تسأل «ماذا يفعل؟» ولا تسأل «كيف يشعر وهو يفعل؟». وهنا تبدأ الفجوة: نُدير العمل بصرامة، ونترك البشر يتكيّفون بصمت، ثم نتفاجأ حين يتكيّفون أقل مما نحتاج، أو ينسحبون أكثر مما نتوقع.

حين تُدار الأعمال دون أن يُدار البشر معها، لا ينهار النظام… بل يستمر. لكنه يستمر على حساب أشياء أخرى: الحماس، والمبادرة، والجرأة على الاقتراح، والقدرة على النقد البنّاء. ويتحوّل العمل تدريجيًا من مساحة مساهمة إلى مساحة امتثال، ومن ساحة إبداع إلى ساحة تجنّب للأخطاء، ومن رسالة يشعر الإنسان أنه جزء منها إلى مهمة يؤديها بأقل كلفة نفسية ممكنة.

في هذه اللحظة، لا تظهر الأزمة في المؤشرات المباشرة، بل في التفاصيل الصغيرة: الصمت الطويل في الاجتماعات، وتكرار الأخطاء ذاتها، وغياب الأسئلة الجريئة، وتحول الموظف المجتهد إلى موظف «كافٍ» — لا سيئ ولا متميز. هنا تبدأ المؤسسات في خسارة شيء لا يُسجَّل في الميزانيات، لكنه يُحدِّد مستقبلها: طاقة الناس.

والمفارقة أن هذه الحالة لا تبقى حبيسة الجدران الداخلية، بل تتسرّب إلى جودة الخدمة، وسلوك القرار، ومرونة المؤسسة في مواجهة التغيير. فإذا تراجع الإحساس بالانتماء، تراجعت معه الرغبة في التحسين، وإذا غاب المعنى، غاب معه الاستعداد لبذل الجهد الإضافي عند الحاجة. لا لأن الناس سيئون، بل لأنهم بشر؛ يعملون أفضل حين يشعرون أن لهم مكانًا، لا مجرد وظيفة، وصوتًا، لا مجرد مهمة، وأثرًا، لا مجرد رقم.

لا تحتاج المؤسسات، غالبًا، إلى أن تُغيّر كل أنظمتها، ولا أن تُعيد بناء هياكلها من الصفر، ولا أن تُدخل ثورات إدارية جديدة كل عام؛ بل تحتاج فقط أن تُعيد النظر في سؤال بسيط: ماذا نُدير فعلًا؟

فإدارة العمل ضرورة، لكن إدارة البشر حكمة: الأولى تحفظ النظام وتضمن استمراره، والثانية تحفظ روحه وتضمن حيويته. والمؤسسات التي تنجح على المدى الطويل ليست تلك التي تُتقن الضبط فقط، بل تلك التي تُتقن الفهم؛ تفهم أن الإنسان ليس عقبة أمام الكفاءة، بل شرطها الحقيقي، وأن أفضل استثمار يمكن أن تقوم به أي جهة ليس في نظامٍ جديد… بل في وعيٍ جديد بطريقة إدارة من يعملون داخل هذا النظام.

شاركها.