خالد بن سالم الغساني

كتب الرئيس علي ناصر محمد تأبينه للمُناضل الكبير علي سالم البيض بعد وفاته يوم 18 يناير الجاري، في نص يتجاوز كلمات العزاء، تأبينٌ يُسلط الضوء على مرحلة كاملة من تاريخ اليمن؛ حيث عبّر من خلالها الرئيس في كلماته الصادقة عن الاحترام العميق لرفيق دربه النضالي والقيادي، وتاليًا خصمه السياسي، مُتحديًا الخصومات الماضية، ومُقدمًا نموذجًا نادرًا للوعي الأخلاقي والسياسي في مواجهة التاريخ والجراح.

وفي نص التأبين، ركّز الرئيس علي ناصر محمد على مسيرة الفقيد الوطنية، من كفاحه ضد الاستعمار إلى دوره البارز في بناء الدولة وتحقيق الوحدة اليمنية، مع الاعتراف بتأثيره العميق في السياسة اليمنية ومكانته بين جيله من المناضلين. كما أشار إلى العلاقة الشخصية التي ربطته بالبيض، وكيف كانت لقاءاتهما مناسبة لتبادل الآراء حول الماضي والحاضر ومستقبل الوحدة اليمنية التي خاضا من أجلها معارك دامية لعقدين من الزمن.

حين قرأت هذا النص، الذي بعثه لي أحد الإخوة والأصدقاء الأعزاء، لم يكن بوسعي أن أمرّ عليه مرورًا خاطفًا، ولا أن أتعامل معه بوصفه بيانًا تأبينيًا آخر في سياق الحزن العام. ذلك أنه لم يكن نصًا كغيره يُقرأ على عجل، ولا خطاب عزاء يُسمع أو يُقرأ ثم يُطوى، لقد شكّل شهادة تستدعي التوقف والتأمل. فما احتواه من سردٍ وموقف، تجاوز لحظة الرثاء إلى استدعاء الذاكرة الوطنية بكل أثقالها وأسئلتها المؤجلة، وكأنه منذ قراءته الأولى يطلب قارئًا متأنيًا لا مستهلكًا للحزن.

ولأنَّ ما كتبه فخامة الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق، الأستاذ علي ناصر محمد، مؤسس المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، يتجاوز حدود النعي التقليدي، على الأقل بالنسبة لي، وأنا الذي كنت حاضرًا وشاهدًا على كثير من مراحل البناء الوطني في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وأحداثها الهانئة والمؤلمة معًا، وحاضرًا وعيًا وألمًا على أحداث يناير 1986، فقد بدأ من غير الممكن التعامل معه بوصفه نصًا يُعاد نشره دون مساءلة. فهو تجاوز كل كلمات الوداع، وتحول إلى وثيقة ذات صفحات سياسية وتاريخية وإنسانية، تستوجب قراءة ثانية أعمق وأهدأ، قراءة تفكّك بنيته، وتستخرج من سطوره ما يتجاوز الرثاء إلى مساءلة الذاكرة الوطنية ذاتها.

هذا النص لا ينعى رجلًا فحسب؛ بل يستدعي زمنًا كاملًا من الصراع والتَّحرر وبناء الدولة، والخلاف والاختلاف، ويعيد طرح أسئلة كبرى عن الثورة، والوحدة، والاختلاف، وما آل إليه المصير اليمني. وهو، بهذا المعنى، شهادة سردية وسياسية في آن، من أحد أهم الذين عاشوا وعاصروا وانخرطوا في تلك الأحداث، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع التاريخ العام، ويختلط فيها الوفاء للرفيق مع الاعتراف بثقل الدور وتعقيد المسار وحدّة التحولات.

ومن هنا، فإنَّ الاشتباك مع هذا النعي، الذي فرضته الذاكرة التي استثيرت، عليَّ، لا يهدف إلى إعادة روايته أو تلخيصه، بل إلى منحه ما يستحقه من توصيف وتحليل، واستنطاق دلالاته الكامنة، والوقوف عند لغته واختياراته، وما قاله صراحةً وما آثر الصمت عنه. فليست هناك جملة في هذا النص يمكن المرور عليها دون توقف، ولا ذكرى يمكن فصلها عن سياقها، ولا وداع يمكن عزله عن أسئلته المؤجلة.

ولهذا، فإنَّ الإلحاح على إعادة تقديم النص كما كُتب، ليس اجترارًا للذاكرة، بقدر ما هو ضرورة معرفية وأخلاقية. فالنص، بصيغته الأصلية، يحمل صدقه الداخلي وتوازنه ومسؤوليته التاريخية، ولا يجوز تفكيكه أو تأويله بمعزل عن بنيته الكاملة وسياقه الذي كُتب فيه. إن إعادة تقديمه، هي في جوهرها، إعادة إنصات إلى شهادة رجل عاش الحدث وصنع بعضًا من مساره، لا قراءة انتقائية تُختزل في عناوين أو تُجزّأ بحسب المزاج السياسي الراهن.

كما إن هذا النعي، وكما ورد، هو في قناعاتي ليس خاتمة لسيرة، بقدر ما هو فتحٌ لأسئلة الذاكرة اليمنية ذاتها، كيف نقرأ رجالها؟ وكيف نختلف معهم دون أن نمحو أثرهم؟ وكيف نعيد سرد تاريخنا بلا إنكار ولا تبسيط؟ من هنا، يصبح تقديم النص كاملًا، كما كُتب، فعلًا من أفعال الوفاء للتاريخ، واحترامًا للعقل، وإقرارًا بأنَّ بعض الشهادات لا تُلخَّص، ولا تُعاد صياغتها، بل تُقرأ كما هي… ثم يُفكَّر فيها طويلًا.

*****

وفيما يلي نص النعي:

وداعا أبا فيصل

علي ناصر محمد

{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (لقمان: 34).

أمس المُوافق 18 يناير، وُوري الثرى جسدُ رفيقي المُناضل الكبير علي سالم البيض في أرض الإمارات العربية المُتحدة، بمقبرة بني ياس، ليودع جميع محبيه في الإمارات وخارجها، أحد أبرز رجالات الوطن الذين ارتبطت أسماؤهم بمحطات مفصلية في مسيرة النضال الوطني، وبناء الدولة، وتحقيق الوحدة اليمنية.

وكنتُ أتمنى أن يُدفن في الريدة بحضرموت، مسقط رأسه، حسب وصيته، ولكنَّ الأمور حالت دون ذلك.

ولا أريد التَّحدث عنها.

شكل الفقيد، عبر مسيرة نضالية وسياسية حافلة، حضورًا مؤثرًا في ساحات النضال، وترك أثرًا عميقًا لا يمكن تجاوزه في الذاكرة السياسية اليمنية.

تعرفتُ على المناضل علي سالم البيض في وقت مبكر إبّان مرحلة التحرير، في خضمّ الكفاح المسلح ضد الاستعمار؛ حيث جمعتنا الثورة أولًا ثم الدورة التي تلقّيناها معًا في مدرسة الصاعقة بقاعدة أنشاص في القاهرة، مصنع الرجال والأبطال، بمُشاركة كل من المناضلين: (عبدالله المجعلي، وهاشم عمر إسماعيل، وعبدالله مطلق، وبخيت مليط، ومحمد أحمد البيشي، وعبدالكريم الذيباني، وعبدالرحمن راشد اليافعي)، إلى جانب عدد كبير من المصريين والفلسطينيين، وبعض مناضلي حركات التحرر الإفريقية، في وقت كانت فيه مصر حاضنة لحركات التحرر الوطني العربي والإفريقي، وكل مشاريع الاستقلال، ومركزًا لآمال الشعوب الساعية إلى الحرية.

ومع تصاعد الكفاح المسلح، كان الفقيد ضمن القيادات التي اضطلعت بمسؤوليات ميدانية وتنظيمية، إذ شارك في المكتب العسكري الذي شكلته قيادة الجبهة القومية للإشراف على جبهات القتال، وقد ضم هذا المكتب كلًا من: طه مقبل رئيسًا، وعضوية محمد أحمد البيشي، وعلي سالم البيض، وعلي ناصر محمد، وبخيت مليط، وعبد الكريم الذيباني، وعلي الهلالي، وآخرين.

وعقب قيام الدولة، تولّى علي سالم البيض منصب وزير الدفاع، ثم شغل عددًا من المناصب الرسمية والحزبية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، إلى أن أصبح الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني.

ويظل دور الرفيق علي البيض في تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 علامة فارقة في مسيرته السياسية.

وفي عهد الوحدة شغل منصب نائب رئيس الجمهورية اليمنية، وكان هو من أعلن قيام الوحدة عند دخوله صنعاء، في لحظة تاريخية جسدت حلم اليمنيين بوطن واحد، وتعانقت فيها عدن وصنعاء إلى الأبد، كما قال، في مشهد سيبقى خالدًا في الوجدان، في يوم من الدهر لم تصنع أشعتهُ شمس الضحى، بل صنعناه بأيدينا.

ورغم ما شهدته المراحل اللاحقة من تعقيدات واختلافات سياسية، ظل علي سالم البيض جزءًا من المشهد السياسي، حاضرًا في النقاش العام، ومحل جدل يعكس حجم الدور الذي أداه وتأثيره في مسار الأحداث.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تنقطع علاقتي به، حيث التقينا في عدد من الدول، منها سلطنة عُمان، والأردن، ولبنان، والإمارات العربية المتحدة، وكانت لقاءاتنا الأخوية دائمًا مناسبة لتبادل الآراء حول الماضي والحاضر ومستقبل الوحدة اليمنية التي خضنا من أجلها حروبًا على مدى 20 عامًا، حتى تحققت في 22 مايو 1990.

رحم الله الفقيد الكبير، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

انتهى النعي.

*********

لا شك أن تأبين علي سالم البيض على لسان رفيق دربه ورئيس اليمن السابق علي ناصر محمد، يقدم درسًا نادرًا في السياسة: كيف يمكن للإنسان أن يرتقي فوق خلافاته وتاريخه الجريح، ويضع الضمير قبل الأحقاد. فهذا التأبينُ ليس تكريماً لشخص، بل هو شهادة على قدرة الذاكرة الحكيمة على تجاوز الدماء، ومثال على أنَّ السياسة، رغم أخطائها، قادرة على الاعتراف بالآخر واحترام حقه في الكلمة الصادقة.

رحم الله الفقيد الكبير، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

والتَّحية للرئيس علي ناصر محمد على موقفه الأخلاقي، والدعوات لليمن بالوحدة، والاستقرار، والسلام، والازدهار.

شاركها.