إمام أوغلو والفساد: كيف تتحول الخطابات السياسية إلى تبرير للممارسات الفاسدة؟

اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي، قضية الفساد الة برئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وتداعياتها السياسية والقضائية في تركيا.
يتطرق المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق إلى كيفية تعاطي الرأي العام مع القضية، حيث يبرز موقف المعارضة وحزب الشعب الجمهوري الذي يتبنى الدفاع عن إمام أوغلو رغم الأدلة القوية على تورطه في الفساد.
كما يناقش كيفية تحول خطاب المعارضة من محاربة الفساد إلى تبريره وتقبله كأمر طبيعي، ما يطرح تساؤلات حول تأثير ذلك على أخلاقيات السياسة في البلاد.
المقال يسلط الضوء على الفجوة بين معايير العدالة في تركيا والمعايير الغربية، ويشير إلى عدم ظهور نفس الاحتجاجات في فرنسا عقب إدانة مارين لوبان بتهمة الفساد، مما يثير تساؤلات حول المعايير المزدوجة في التعامل مع قضايا الفساد.
وفيما يلي نص المقال:
لنبدأ بالتأكيد على ما ذكرناه سابقًا؛ إن القضية مستمرة وقد دخلت مرحلة المحاكمة، ورغم أن الكم الهائل من الاتهامات والأدلة قد يبدو كافيًا لإدانة المتهمين وإقناع الجميع تقريبا حتى قبل بدء المحاكمة، يجب ألا يُحرم المتهمون من حقهم في تبرئة أنفسهم. فقرينة البراءة ومبدأ افتراض البراءة هما الأساس.
وهذا واضح، ولكن قبل الوصول إلى المرحلة القضائية، كانت هناك بالفعل اعترافات وأدلة وفضائح مكشوفة بلغت حد الجُرم المشهود تقريبًا. وفي عالمنا اليوم، سواء أعجبنا ذلك أم لا، فإن القضاء يعمل تحت أنظار الرأي العام. فضلًا عن ذلك، هناك تصرفات وعلاقات غريبة وجرائم لم تكن خفية، بل كانت معروفة ومتداولة إعلاميًا قبل أن تُطرح قضائيًا، لذا لا يمكن منع الرأي العام من التفاعل مع هذه القضايا بحجة “قرينة البراءة”.
وحتى في هذه المرحلة، تكشف لنا المعطيات والعلاقات والمعاملات التي ظهرت للعلن عن شبكة واسعة من الفساد تتجاوز مجرد حالات فردية معزولة، بل تبدو وكأنها منظومة متكاملة قائمة على توزيع المصالح خارج إطار القانون. وما يلفت الانتباه في هذه القضية أن هذه الشبكة لم تُكشف عبر عمليات استخباراتية دقيقة أو تحقيقات رقابية مشددة، بل تفككت من تلقاء نفسها، ربما بسبب تضخمها المفرط، أو صراع المصالح بين أعضائها، أو حتى بسبب تمرد بعض من لا يزالون يمتلكون بعضا من النزاهة داخلها. وهذا ما يعلمه الجميع ويقرّون به، بل إن الإعلام المقرّب من حزب الشعب الجمهوري ذاته يتحدث عن ذلك بشكل متكرر. وعليه، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق القضاء تقتصر على عدم التغاضي عن هذه الأدلة الواضحة. فهذه قضية فسادٍ من ذلك النوع الاستثنائي.
في الواقع، يجب الإشادة بشدة بالمواقف الداخلية في حزب الشعب الجمهوري التي رفضت هذه التجاوزات وأدانت الفساد. إذ يعكس ذلك وجود تيار داخل الحزب يشعر بالانزعاج إزاء هذا الفساد الذي أفسد شبكة العلاقات بأكملها، ويؤكد أن القيم الأخلاقية لم تُمحَ تمامًا، وأن مبادئ العدل والإنصاف لا تزال قائمة. ولكن تكمن الكارثة في أن التيار الرئيسي للحزب، بدلًا من استغلال هذه الفرصة للعودة إلى نهج قائم على النزاهة والعدالة، يندفع بجنون نحو الدفاع عن الفساد، بل ويحاول تبرئته عبر توجيه أصابع الاتهام للحكومة، محاولًا تصوير القضية على أنها “عملية سياسية” ضده.
ما السبب الذي يدفع الحشود التي تجمعت أولاً في ساحة “سراج هانه” ثم في مسيرة مالتيبي لعدة أيام دعماً لرئيس بلدية يخضع للتحقيق بتهم فساد خطيرة بأدلة شبه قاطعة؟ وما القضية التي يدافعون عنها؟ لم نسمع منهم أي تصريح ينفي التهم الموجهة ضد رئيس البلدية أو المقربين منه أو يصفها بالافتراء. وفي أحسن الأحوال، يتم تجاهل هذه الإتهامات والإشارة إلى أنها “ملفقة”، بينما يهاجمون السلطة القضائية، معتبرين أنها أداة بيد الحكومة. والنقطة الأساسية هي أن الجميع في المقابلات يبرر الفساد بشكل غير مباشر بقوله: “وما المشكلة إن ذلك؟ الجميع يفعل ذلك، ألا تفعل الحكومة ذلك أيضاً؟” أو “أولًا يجب على الحكومة أن توضح أين اختفت 128 مليار دولار”.
هذه هي أبرز الدفاعات التي يتبناها الحشد الذي تجمع في الساحات دعمًا لإمام أوغلو، وتضامنًا معه، أي أن الذين تجمعوا في الساحة، سواء كانوا متطوعين أو مدفوعين، قد قبلوا بالفعل تهم الفساد. ولكن ما يطالبون به الآن هو تقبل هذا الفساد كأمر طبيعي، وأن ما سمعوه عن الآخرين من قبل يجب أن يمنحهم أيضًا الحق في ذلك.
فهل هناك مصيبة أعظم من هذه يمكن أن تحل ببلد ما؟ هذه نتيجة وخيمة للغاية تظهر كيف أن خطاب المعارضة الذي تبناه حزب الشعب الجمهوري لسنوات حول مزاعم الفساد قد شكّل وعي قاعدته. فبدلاً من أن يغرس في قواعده فضيلة معارضة الفساد جوهرياً، يبدو أنه قدمه لهم كمعيار اقتصادي ومبدأ في توزيع الثروات. أي أنه يخلق توقعًا بأنه عندما يتولى السلطة، سيفعل أكثر بكثير من جميع عمليات الفساد التي يدعي أن السلطة الحالية ارتكبتها. رغم أن شكل المعارضة الأكثر شرعية، بل وواجبها، هو بالطبع الرقابة والمساءلة عن الفساد. ولكن عندما تصل خطابات الفساد إلى حد الافتراءات والمبالغات والتلفيقات، فإننا نرى اليوم بوضوح تام أن لذلك نتيجة تتمثل في تهيئة جمهوره للفساد من الناحية الأخلاقية. والأسوأ من الفساد نفسه هو بالطبع تبني هذا الفساد كمعيار أو مبدأ.
إن عدم الإقرار بكل ما تم إنجازه من خدمات هائلة، والخطوات التنموية الثورية، والاستثمارات الضخمة في مجالات النقل، والصحة، والتعليم، والإسكان، والتوسع العمراني، والصناعات الدفاعية، والتكنولوجيا، والتركيز فقط على مزاعم الفساد، هو الاتجاه الذي ستؤدي إليه خطابات المعارضة التي تتجاهل هذه الإنجازات.
هل تساءلت الحشود التي جمعها حزب الشعب الجمهوري في هذه التجمّعات عما حققته هذه المسيرات بالفعل؟ وما الذي وعدت به تركيا؟ وما الذي تسعى للوصول إليه؟ أي نوع من الجمهور صنعوه لأنفسهم؟ جمهور يرى الفساد معيارًا مقبولًا، وحقًا مكتسبًا له. كيف يمكن لمثل هذا الفكر أن ينافس حزب العدالة والتنمية، الذي نقل البلاد إلى مستويات متقدمة من التطور والتنمية على مدار سنوات؟ هل تستحق تركيا هذا المستوى الأخلاقي المتدني وهذه السياسة؟
وانظروا إلى التقدير الإلهي ففي اليوم نفسه الذي اندفعت فيه هذه الحشود إلى الشوارع دفاعًا عن “مرشحهم الرئاسي” الذي تم توقيفه بتهم فساد، صدر في فرنسا حكمٌ بحق مارين لوبان، التي كانت أقوى مرشحة رئاسية في انتخابات 2017، وحكم عليها بعقوبة قاسية بتهمة اختلاس أموال عامة، مما أسقطها من السباق السياسي بقرار قضائي واحد بلمح البصر. واللافت أن التهمة التي أدينت بها لوبان لا تقارن أبدًا بحجم الفساد في بلدية إسطنبول الكبرى، فقد اقتصرت قضيتها على استخدام تمويل حصلت عليه من الاتحاد الأوروبي لدفع راتب أحد مساعديها.
ولكن لم يخرج أحد في فرنسا إلى الشوارع دفاعًا عن لوبان التي حكم عليها بتهمة الفساد، ولم يُتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه استخدم القضاء لإقصاء خصمه السياسي. والأهم من ذلك أن الأوساط الأوروبية التي كثيرًا ما توجه انتقادات للرئيس أردوغان، تلقت الآن صفعة مدوية من هذا التناقض الفاضح. تُرى هل ستوقظ هذه الصفعة أصحاب العقول النائمة في بلادنا؟