إسرائيل تخلق تهديداتها بنفسها… فهل تقترب من نهايتها؟ (سياسي تركي)

اخبار تركيا
تناول مقال للسياسي والبرلماني التركي السابق ياسين أقطاي، التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل ضد سوريا، وخاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد، كاشفًا عن الأبعاد السياسية والاستراتيجية لهذا العدوان.
ويُبرز المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق التناقض في العلاقة بين إسرائيل والنظام السوري السابق، حيث كان يُصوَّر كعدو بينما حافظ على استقرار العلاقة معها لعقود، ولم تُستخدم أسلحته ضدها قط.
كما يناقش الأهداف الحقيقية لإسرائيل من هذا التصعيد، وعلى رأسها منع تشكيل جيش سوري جديد، وتجريد الدولة من أي قدرة عسكرية مستقبلية.
ويشير أيضًا إلى البعد الإقليمي للعدوان، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة مع تركيا، محذرًا من أن إسرائيل تُصعّد وتخلق تهديداتها بيدها، ما قد يعجّل بمواجهة محتومة.
وفيما يلي نص المقال:
يواصل الكيان الصهيوني المتعطش للدماء استكمال فصول الإبادة الجماعية بكل تفاصيلها مرارًا وتكرارًا، فيقصف المستشفيات، وخيام اللاجئين، وسيارات الإسعاف، ومحطات تحلية المياه، والمخابز. وفي الوقت نفسه، يدعم الإرهاب الاستيطاني ويواصل مجازره في الضفة الغربية دون الحاجة حتى إلى ذريعة كحماس. وبعد هجماته الممنهجة على لبنان، بات عدوانه على سوريا منذ 8 ديسمبر، نشاطا روتينيا.
فقد شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية مساء الأربعاء، غارات عنيفة واسعة النطاق استهدف مطارات وسط سوريا، ومراكز أبحاث في محافظتي حماة ودمشق، إضافة إلى عمليات برية واشتباكات في محافظتي درعا والقنيطرة. وقد أسفرت هذه الهجمات عن تدمير أجزاء كبيرة من مطار حماة العسكري، ومطار T4 شرق حمص.
ورغم تحرر الشعب السوري بعد 14 من ظلم نظام الأسد أحد أسوء الأنظمة القمعية في العصر الحديث والذي كانت جرائمه ترقى إلى حد الإبادة الجاعية، إلا أن معاناته لم تنته بعد، فعقب سقوط النظام، بدأ الشعب السوري يتعرض لهجمات إسرائيلية، لكن توقيت هذه الهجمات يكشف زيف الرواية التي كان يروج لها لسنوات حتى الآن، فنظام الأسد الذي كان يصوَّر على أنه “حصن المقاومة المنيع” ضد الصهيونية، نادراً ما كانت إسرائيل تتعرض لسوريا تحت حكمه، وكانت العلاقة بينهما مستقرة إلى حد كبير.
وباستثناء تلك الضربات الرمزية التي كانت تُنفذ بين الحين والآخر لإظهار وجود حالة عداء، فقد ساد بين الجانبين نوع من الاستقرار في العلاقة، ولم يكن نظام الأسد يرد على أي من تلك الضربات. وحتى في ظل تزايد الحضور الإيراني في سوريا وتقديم طهران لها كجبهة مقاومة لم تكن إسرائيل تتدخل كثيرًا هناك. فهل كان لدى الأسد حينها منظومة دفاعية جوية خارقة لردع إسرائيل؟ بالطبع لا. إذًا ما الذي تغيّر اليوم؟ لماذا تبدأ إسرائيل حربًا من طرف واحد، بمجرد أن سقط من يُفترض أنه عدوّها الأول، في حين لم يصدر عن النظام الجديد أي تهديد أو نية عدائية تجاهها؟
لا شك أن هذا الواقع وحده يكشف عن طبيعة العلاقة اللا أخلاقية التي تربط إسرائيل بنظام الأسد. فقد كانت إسرائيل على يقين تام بأن كل الأسلحة التي يمتلكها الأسد، سواء الكيميائية منها أو التقليدية، لن تُوجَّه يومًا ضدها، بل كانت مخصصة لقمع الشعب السوري. تلك الأسلحة لم تمثل يومًا تهديدًا لإسرائيل، أما الآن، وبعد أن باتت بيد الشعب السوري نفسه، بدأت إسرائيل تشعر بالخطر.
وهذا بحد ذاته دليل على أن إسرائيل، مرتكبة الإبادة الجماعية، كانت شريكًا فعليًا في كل الجرائم التي ارتكبها نظام البعث طوال ستين عامًا ضد شعبه، ولا سيما السنوات الأربع عشرة الأخيرة. فالقوة التي تتحرك اليوم لتدمير البنية العسكرية السورية بالكامل، كان بإمكانها أن تتدخل وتمنع مقتل مليون سوري خلال تلك الفترة، لكنها لم تفعل. والأسلحة التي استخدمها الأسد لذبح المدنيين لم تُشكل يومًا تهديدًا لإسرائيل. فكيف يبرر أولئك الذين يرون أن تغيير النظام في سوريا لم يكن ليحدث دون موافقة أمريكية أو إسرائيلية، أو أنه يصب في مصلحتهما، هذا التناقض الصارخ؟
إن هدف القصف الإسرائيلي هو الاستمرار في تدمير البنية التحتية العسكرية بالكامل، وتجريد سوريا من السلاح، وخاصة بعد خسارة نظام الأسد الذي كان يحمي أمن إسرائيل فعليًا لمدة 57 عامًا، لجعلها غير قادرة على تشكيل أي تهديد لأمن إسرائيل في المستقبل.
وتواصل إسرائيل عمليات القصف، والاقتحام البري، والتدمير، لتقضي على ما تبقى من ترسانة الأسلحة، مهما كانت قديمة ومتهالكة. كما تسعى لمنع الدولة الجديدة من بناء جيش قوي مجهز بالصواريخ والطائرات ومنظومات الدفاع الجوي. ومن خلال هذا القصف، توجّه إسرائيل رسالة واضحة بأنها لن تسمح لأي طرف بتسليح هذا الجيش أو تعزيز قدراته.
ولا تتوانى الأوساط الرسمية الإسرائيلية عن التصريح بأن الهدف الحقيقي من هذا التصعيد هو تركيا، وكأنها تتعمد استفزازها. وبالفعل، فإن المناطق التي تم قصفها هي المناطق المحتملة لإنشاء القاعدة العسكرية التي يجري الحديث عن إنشائها بين تركيا وسوريا. وقد صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ردًا على هذا العدوان الإسرائيلي قائلاً: “لا نريد مواجهة إسرائيل في سوريا”. وقال أيضًا: “إذا كانت الإدارة السورية ترغب في التوصل إلى اتفاق معين مع إسرائيل، فهذا شأن يخصها”، مشيرا إلى أن الهجمات الإسرائيلية أضعفت قدرة الحكومة السورية الجديدة على ردع تنظيم داعش الإرهابي وغيره من التهديدات.
إن هذا العدوان الذي يستهدف الإدارة السورية الجديدة، التي لا همَّ لها سوى مداواة جراح 60 عامًا وإعادة إعمار البلد المدمر، في حين أنها لم تبد أي نية أو قول عدائي تجاه إسرائيل، يدل على أن إسرائيل خطر مستعصٍ. فإسرائيل لا تحتاج إلى أن يراها أحد، وخاصة تركيا، عدواً لها، فعدوانها وموقفها العدائي يضمن دائمًا وجود عدو سيقضي عليها في النهاية.
إن إعلان إسرائيل أن هدفها من قصف سوريا هو تركيا، وتحريضها على هذا العداء بنفسها، ينم عن حالة نفسية نابعة من معرفتها بخطاياها. فإسرائيل على دراية بأنها ستواجه تركيا في نهاية المطاف نتيجة لجرائمها، ولذلك تحاول أن تسبق الأحداث وتتحرك قبل أن تُجبر على المواجهة. وبهذا، فإنها تساهم في خلق تهديداتها بنفسها، ولكن مهما اتخذت من إجراءات احترازية، فإن نهايتها الحتمية ستكون الهزيمة ولا شيء غيرها.