التقارب التركي الفرنسي.. هل تكسر زيارة فيدان إلى باريس حالة الجمود؟

اخبار تركيا
وصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى باريس في زيارة رسمية تهدف إلى كسر حالة الجمود في العلاقات التركية الفرنسية، وسط آمال بتعزيز التعاون رغم الملفات الشائكة.
ويُنظر إلى الزيارة الرسمية لفيدان إلى باريس كمحطة جديدة في مسار العلاقات التركية الفرنسية التي شهدت توترات خلال السنوات الماضية.
وتأتي الزيارة في سياق مساعٍ متبادلة لتهدئة الخلافات وإعادة الزخم للتواصل الدبلوماسي بينأنقرةوباريس، بعد سلسلة من الخطوات التي عكست رغبة الجانبين في تحسين العلاقات مؤخرا.
والتقى فيدان بنظيره الفرنسي وزير الدولة لشؤون أوروبا والخارجية جان نويل بارو، مع توقعات مسبقة بأن تشمل محادثاتهما تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة تطورات إقليمية ودولية ملحة.
ونقلت وكالة الأناضول عن مصادر بوزارة الخارجية التركية، في وقت سابق، أن المحادثات ستشمل:
ملفات العلاقات التركية الفرنسية.
وآفاق انضمامتركياإلىالاتحاد الأوروبيوالعلاقات مع التكتل الأوروبي.
إضافة إلى قضايا الأمن الأوروبي.
وتطوراتالحرب في أوكرانياوالأوضاع فيغزة.
وكذلك عملية الانتقال السياسي فيسوريا.
ورغم أن مصادر تركية دبلوماسية قالت للأناضول إن اللقاء جاء في إطار زيارة رسمية يجريها فيدان إلى فرنسا، إلا أن المصادر لم تذكر تفاصيل أخرى عن فحوى الزيارة.
لكن مصادر تركية استبقت الزيارة بالتأكيد على أن المحادثات تتناول سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين أنقرة وباريس، لا سيما في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والسياحة، بعدما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 22.5 مليار دولار عام 2024، بحسب تقرير لـ “الجزيرة نت”.
ملفات إقليمية
وبحسب الخارجية التركية، يتصدر الملف السوري جدول مباحثات فيدان في باريس، في ظل تباين واضح في أولويات أنقرة وباريس بشأن مستقبل سوريا بعدسقوط نظام الأسد؛ فبينما تؤكد تركيا دعمها للقيادة السورية الجديدة، تُشدد على ضرورة تفكيكوحدات حماية الشعب الكرديةشمال البلاد ودمج المعارضة في مؤسسات الدولة، إلى جانب رفع العقوبات المفروضة على دمشق الجديدة.
في المقابل، ترحبفرنسابالتغيير السياسي في سوريا، لكنها تبقي على تحفظاتها بشأن مقاربة أنقرة للأمن في الشمال، وتصر على تشكيل حكومة شاملة تضمن تمثيل كافة الأطياف السورية.
ويأتي هذا في أعقاب تصعيد دبلوماسي محدود بين الجانبين، بعدما استبعد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، مطلع العام الجاري، أي دور للقوات الفرنسية في سوريا، واعتبر أنالولايات المتحدةهي المحاور الوحيد لبلاده هناك. كما اتهم باريس بتجاهل المخاوف الأمنية التركية، ودعاها إلى استعادة مقاتليها المسجونين في سوريا ومحاكمتهم في فرنسا.
وفي الشأن الأوكراني، توقعت المصادر أن يجدد الوزير التركي تأكيد بلاده على “الاستعداد للمساهمة في إقامة سلام دائم وعادل بينروسياوأوكرانيا”، مشددا على “ضرورة تعاون جميع الحلفاء من كثب في العملية المؤدية إلى السلام” على حد تصريحاته السابقة بهذا الشأن.
أما في غزة، فتطرح الزيارة ملفا لا يقل أهمية، حيث تقود أنقرة جهودا سياسية وإنسانية منذ بداية الحرب، وتتهم إسرائيل بارتكاب جرائم ضد المدنيين. في حين تدعو فرنسا إلى وقف إطلاق نار دائم وإيصال المساعدات، مع تحذيرها من أي خرق للقانون الدولي، دون التوجه إلى فرض عقوبات.
قضايا شائكة
وبعيدا عن الملفات الإقليمية، تحضر القضايا الثنائية العالقة بقوة على طاولة زيارة فيدان، وفي مقدمتها ملف التعليم، الذي شكل في السنوات الماضية نقطة توتر مزمنة في علاقات أنقرة وباريس.
إذ لا تزال الخلافات قائمة بشأن وضع المدارس الفرنسية في تركيا، وكانت أنقرة قد طالبت في السنوات الماضية بتنظيم وضع المدارس الفرنسية مثل مدرستي “شارل ديغول” في أنقرة و”بيير لوتي” فيإسطنبول، عبر اتفاقيات ثنائية تمنحها وضعا قانونيا داخل تركيا، حيث أثار الجانب التركي مسألة التحاق طلاب أتراك بهذه المدارس من دون إشراف وزارة التعليم التركية.
في المقابل، تسعى تركيا منذ سنوات للحصول على موافقة رسمية تسمح لها بفتح مدارس تركية أو على الأقل تقديم تعليم منهجي للجالية التركية في فرنسا، إلا أن هذه المطالب قوبلت بتحفظ فرنسي، لا سيما في ظل الحساسيات الة بملف الاندماج والسيادة الثقافية داخل فرنسا.
وقد شهد هذا الملف تطورا لافتا في أغسطس/آب الماضي، حين توصل الطرفان إلى تفاهم أولي قضى بتعليق مؤقت لقبول طلاب أتراك جدد في المدارس الفرنسية داخل تركيا، بانتظار التوصل إلى اتفاق قانوني شامل، مع الإبقاء على الطلاب الحاليين تحت إشراف مشترك من معلمين أتراك، ويتوقع أن يعاد طرحها بقوة خلال زيارة فيدان، في محاولة لكسر الجمود والوصول إلى صيغة تُرضي الطرفين.
وبحسب المصادر التركية، تبرز العلاقات الدفاعية كملف حساس بين أنقرة وباريس. فخلال ذروة التوتر بين البلدين، فرضت فرنسا قيودا على صادرات التقنيات والمعدات الدفاعية إلى تركيا ضمن موقف أوروبي جماعي إثر عمليات أنقرة العسكرية في سوريا عام 2019. وتسعى إلى تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية مع فرنسا وإزالة تلك القيود المفروضة على تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إليها.
ومن المتوقع أن يكون فيدان قد ركز في مباحثاته على ضرورة رفع هذه القيود الدفاعية وتشجيع مشاريع مشتركة في مجال الصناعات العسكرية، لا سيما أن البلدين عضوان في حلفالناتوويشتركان في تحالفات أمنية إقليمية.
إلى جانب ذلك، يجدد الجانب التركي مطالبته بتحرك أكثر حزما ضد المنظمات التي تصنفها أنقرة إرهابية وتنشط في فرنسا، خصوصا فيما يتعلق بـحزب العمال الكردستانيالذي تتهم تركيا باريس بغض الطرف عن أنشطته تحت غطاء دعم مقاتليقوات سوريا الديمقراطية (قسد)في الحرب علىتنظيم الدولة.
تجدر الإشارة إلى أن زيارة فيدان إلى باريس تتوج سلسلة اتصالات وتقارب جرت خلال الأشهر الماضية بين القيادتين التركية والفرنسية بعد فترة من الجفاء. كان أهمها لقاء الرئيس التركيرجب طيب أردوغانبنظيره الفرنسيإيمانويل ماكرونوجها لوجه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، على هامش قمة المجموعة السياسية الأوروبية التي عقدت في العاصمة المجرية بودابست.
إدارة الخلاف
ويقول المحلل السياسي مراد تورال، إن زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى باريس تمثل “خطوة مهمة لكسر الجمود” في العلاقات التركية الفرنسية، لكنها تأتي بحسب تعبيره في سياق “تبريد الأزمة أكثر من كونها تحولا إستراتيجيا”.
وأوضح في حديث للجزيرة نت، أن أنقرة تدير علاقتها مع باريس حاليا بمنطق “إدارة الخلاف” وليس تصعيده، مستفيدة من الحاجة الأوروبية للتنسيق الأمني والدبلوماسي في ظل التحديات الإقليمية والدولية، لكنه شدد على أن “غياب الثقة المتراكم لا يزول بزيارة واحدة”.
ويرى تورال أن الملفات الثنائية العالقة، مثل وضع المدارس الفرنسية في تركيا والتعاون الدفاعي والتقدم في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، تمثل اختبارا حقيقيا لأي تقارب. ولفت إلى أن حلحلة ملف المدارس يشكل “مؤشرا مهما على استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة”، في حين يبقى ملف الدفاع “الأكثر حساسية”، مؤكدا أن رفع القيود الفرنسية عن صادرات السلاح إلى تركيا سيكون “علامة ثقة إستراتيجية” في حال تحقق.
وفي ختام حديثه، دعا تورال إلى خفض سقف التوقعات من الزيارة، مؤكدا أن نجاحها لا يُقاس بالبيانات المشتركة بقدر ما يُقاس بـ”استمرار التواصل بعدها وتفعيل قنوات العمل المشترك”. واعتبر أن الأجواء الحالية تتيح فرصة “لبناء الثقة خطوة بخطوة”، لكنه حذر من انتكاسة محتملة إذا لم تترجم النوايا الإيجابية إلى خطوات ملموسة.
من جهته، اعتبر الباحث في الشؤون الدولية أحمد أوزغور، أن زيارة فيدان إلى باريس تُظهر رغبة تركية في تنويع قنوات التأثير داخل أوروبا بعد أن ظلت أنقرة تركز على برلين وبروكسل في السنوات الأخيرة.
وأضاف في حديث للجزيرة نت، أن تركيا تدرك أهمية فرنسا كلاعب مستقل داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصا بعد تصاعد الدور الأمني لباريس في شرق المتوسط وأفريقيا، مشيرا إلى أن أنقرة تسعى إلى بناء تفاهمات تكتيكية لا تحالفات طويلة الأمد.
واعتبر أوزغور أن الملف السوري سيبقى نقطة تصادم بين البلدين، لكنه رجّح أن تستفيد تركيا من انفتاح فرنسا الحذر على القيادة السورية الجديدة، لدفع الأوروبيين نحو مراجعة العقوبات.