اخبار تركيا
استعرض مقال للكاتب والخبير التركيسليمان سيفي أوغون، في صحيفة يني شفق، التحول النوعي في السياسة الأميركية عبر عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بوصفها لحظة كاشفة لعودة الاستعمار الصريح في ثوب جديد.
لا يكتفي الكاتب بوصف الحدث، بل يضعه في سياق تاريخيبنيوي أوسع، يربط بين الرأسمالية والتوسع الإمبريالي، وبين خطاب “الحرية” ومنطق الهيمنة. ويشير إلى أن ما جرى في فنزويلا ليس حادثة معزولة، بل مؤشر على مرحلة جديدة من العنف السياسي، ستدفع شعوب الأطراف ثمنها باهظا.
كما يتتبع تطور النظام العالمي من الاستعمار الكلاسيكي، إلى الإمبريالية بعد الاستقلال الشكلي، ثم إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة حيث تحولت القوة الأميركية من إدارة التوازن إلى ممارسة السيطرة المباشرة. وفيما يلي نص المقال:
في يوم السبت الماضي كنا شهودا على خبر هز الرأي العام العالمي. فقد قامت وحدات خاصة تابعة للجيش الأمريكي بعملية ضد فنزويلا التي كانت تحاصرها منذ أشهر، فاختطفت زعيم الدولة مادورو وزوجته ونقلتهما إلى الولايات المتحدة. ومن الآن فصاعدا ستجري الإجراءات القضائية، ومن المحتمل أن ينتظر مادورو حكم قاس.
أما ترامب وفريقه المقرب فقد تابعوا العملية مباشرة، إذ قال ترامب في بيانه: “شعرنا وكأننا نشاهد مسلسلا”. ثم سُلِّمت إلى وكالات الأنباء العالمية صور تهين مادورو — بل تهين ضمنا الشعب الفنزويلي بأكمله — وهو يرتدي بدلة رياضية مهلهلة، ويداه موثقتان، يجر قدميه مرتديا خفين… كانت هذه في الحقيقة الخطوة الأولى في عهد مونرو الجديد. وقد بثت هذه الواقعة الصادمة الرعب في نفوس شعوب أمريكا اللاتينية قاطبة. فلن يستطيع شعب نيكاراغوا وكولومبيا والمكسيك ولا قادتهم النوم مطمئنين بعد الآن.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟ لم يتأخر ترامب في الإجابة، فقال: “من الآن فصاعدا، الفريق الموجود في هذه الغرفة هو الذي سيدير فنزويلا”. هذا هو الجديد. وإلا فهذه ليست الواقعة الأولى في سجل الولايات المتحدة. ففي ثمانينيات القرن الماضي فعلوا الشيء نفسه في بنما، إذ اختطفوا نورييغا وجلبوه إلى أمريكا، وحاكموه وتركوه يذوي في زنزانة لسنوات طويلة.
ومن المحتمل أن يلقى مادورو مصيرا مشابها. لكن — إن وقع ذلك — فإن الولايات المتحدة، للمرة الأولى، تُظهر نية الاستيلاء الكامل على دولة أطاحت بزعمائها. وإن حدث هذا فعلا، سيتبخر أمل قادة المعارضة مثل غوايدو وماشادو، وسيبقون صفر اليدين. وقد صرّح ترامب بوضوح منذ البداية أنه استبعد الحاصلة على جائزة نوبل ماشادو.
في الواقع، ينبغي النظر إلى هذه الحادثة بعمق أكبر — لفهم ما وقع وما سيقع، واستخلاص بعض الدروس.
الرأسمالية ليست مجرد اجتماع العمل ورأس المال على أرض اجتماعية معينة. إنها — في الوقت نفسه — تنشئ نظاما عالميا وتقسيما للعمل. فعملية تراكم رأس المال لا تعني التراكم إلى الداخل فحسب، بل تتضمن أيضا التوسع إلى الخارج. والاستعمار ليس نتيجة لاحقة لها، بل هو جزء بنيوي فيها. عدم المساواة هو سمة التراكم والتوسع معا؛ فبينما يزداد بعضهم فقرا يزداد آخرون غنى، واتساع الفجوة إنما يُظهر قوة الرأسمالية وصحتها.
ولإضفاء الشرعية على هذا المسار أيديولوجيا وثقافيا، تُفعّل رموز تقوم على التفريق بين “البدائي” و”المتحضر”، و”النجس” و”النظيف”. وخلال القرون ما بين السادس عشر والعشرين، استخدم الاستعمار هذه التقسيمات بأقصى ما يستطيع. فشعوب العالم التي وُصفت بالبدائية والوحشية، والتي قيل إنها لم تنل نصيبا من الحضارة، عُدت — في نظر أصحاب الثروة — جديرة بكل صنوف المعاملة القاسية.
المجازر الرهيبة والفظائع التي ارتكبها البلجيكيون في الكونغو، والإنجليز في الصين والهند، والهولنديون في جنوب أفريقيا، والإسبان والبرتغاليون في القارتين الأمريكيتين — كلها جرى تبريرها بهذه التصنيفات. وحتى المتعاونون مع المستعمر لم يسلموا من الغضب؛ إذ اتُّهموا دائما بالفشل في أداء “واجباتهم المنزلية”، وقُهروا قهرا.
ويُعرف القرن العشرون بأنه قرن تصفية الاستعمار. فبعد الحرب العالمية الثانية حصلت معظم المستعمرات — ظاهريا — على استقلالها، وظهر الغربيون وكأنهم تخلصوا من خطاياهم الاستعمارية السابقة. لكن علاقات التبعية الاقتصادية استمرت، ويُسمى هذا في الأدبيات “مرحلة الإمبريالية”. وقد تعمقت علاقات اللامساواة الاقتصادية، واستمر مركز العالم الرأسمالي في امتصاص فائض الثروة من الأطراف وأنصاف الأطراف.
وأمر مهم آخر: إن البنى التوازنية التي أُقيمت في القرن العشرين صنعت مشهدا يبرر — ظاهريا — العمليتين الاستعمارية والإمبريالية. فقد بدا العالم وكأنه مقسوم بين كتلتين: أوروبا الشرقية للسوفييت، وأوروبا الغربية للولايات المتحدة. آسيا الوسطى للسوفييت، وأمريكا اللاتينية للأمريكيين. وكانت المعركة مستمرة في المناطق الرمادية التي لم تُنسب بعد إلى أيٍّ من المعسكرين.
المفهومان اللذان جمعتهما الثورة الفرنسية، الحرية والمساواة، بدا كأن كل معسكر قد تبنى أحدهما؛ فالسوفييت تبنوا المساواة، بينما تبنى الغرب الحرية. وفي هذا الإطار، كان زعماء كل كتلة يفعلون ما يشاؤون داخل ساحاتهم: القادة الاشتراكيون في أمريكا اللاتينية كانوا يُسقطون على أيدي العسكر الموالين لأمريكا، بينما كانت الانتفاضات الليبرالية في أوروبا الشرقية تُسحق بالدبابات السوفييتية.
ومع الأزمات التي ضربت الرأسمالية منذ سبعينيات القرن الماضي، تحولت هذه الأزمات تدريجيا من دورية إلى بنيوية. انكسر السلسال من أضعف حلقاته؛ فانهار الاتحاد السوفييتي أولا. وكان هناك من يقول إن هذا الانهيار بنيوي، وإنه سيصيب الغرب عاجلا أم آجلا — لكن لم يُصغِ لهم أحد. عاش الغرب نشوة نصر كاملة، وأزاح نخبه التي كانت تنتهج سياسات التوازن.
وحل محلهم عقل “محافظ جديد” استلهم أفكاره من بوكانان وميزس وهايك، فرأى في انهيار السوفييت فرصة لإشعال سياسة هجومية عالمية. فبما أن النصر كان — في زعمهم — نصر الحرية، وجب سحق كل نظام أو كيان يقف في طريقها فورا وبلا إبطاء. وهكذا تحولت الحرية — التي كانت في القرن العشرين وسيلة دفاع الغرب أمام الشرق — إلى ذريعة للهجوم. حتى الأنظمة العسكرية التي جاء بها “أهل التوازن” مثل كيسنجر في وقت ما، طالتها الريح؛ فانهار بينوشيه وماركوس وغيرهما.
لكن العملية، على المستوى الأيديولوجي، سرعان ما اتخذت طابعا لاهوتياسياسيا، فوُضع الإسلام في قلب الهدف. تتابعت التدخلات في إيران وأفغانستان والعراق، مع حملات “مكافحة الإرهاب الإسلامي”. وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم حروب الخليج، ثم حرب أفغانستان — الواحدة تلو الأخرى.
