اخبار تركيا

الصبر الأخير، الفرصة الأخيرة…

إبراهيم قراغول يني شفق

وصلت المبادرة التي أطلقها زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، والتي حظيت بدعم كامل من الرئيس رجب طيب أردوغان وتحوّلت إلى سياسة دولة تُنفّذ على أرض الواقع، إلى مرحلة محددة. وتتمثل هذه المبادرة في خطة تهدف إلى “وقف إطلاق النار، وتصفية تنظيم بي كي كي الإرهابي، وتحقيق هدف تركيا خالية من الإرهاب”.

يحظى هدف “تركيا بلا إرهاب” بتأييد شعبي واسع، إلا أن خيبة الأمل التي خلّفها “مسار الحلّ” السابق ما زالت تلقي بظلالها بقوة على هذا التأييد. ولعلّ ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو الطابع “الصامت” لهذا الدعم الشعبي، إذ تسود قناعة راسخة لدى الكثيرين بأن تنظيم بي كي كي والعناصر التابعة له، الذين يواصلون نشاطهم تحت مسميات مختلفة، سيعاودون محاولاتهم القديمة في تقويض العملية وإفراغها من مضمونها.

حال بعض الأطراف يشبه عجز أوروبا أمام أمريكا: ارتباك داخلي في الأفق

لعل ما يحدث اليوم في تركيا هو أمر غير مسبوق في تاريخها: الهدف الرئيسي يتمثل في القضاء التام على التنظيم، وانتزاع هذا السلاح من يد إسرائيل، وتحقيق نهاية تتماشى مع المعادلة الإقليمية الجديدة في سوريا والمنطقة عمومًا. وهذه الخطوة لا تتعلق فقط بالإرهاب والعنف، بل إنها ربما الخطوة الأهم في سبيل تحقيق أهداف جيوسياسية إقليمية.

أما حزب الشعب الجمهوري وبعض أطراف المعارضة الهامشية، إلى جانب الجهات التي تستمد قوتها من الصراعات الداخلية في تركيا، فهي تعيش حالة ارتباك وتسابق لتحديد موقع جديد لها. وضعهم يشبه موقف أوروبا بعد بدء المفاوضات بين أمريكا وروسيا، حيث وجدت نفسها معزولة وبدأت تبحث عن خيارات جديدة.

لا يجرؤون على إعلان رفضهم صراحة، ولكن لا يمكن القول إنهم يدعمون هذه الخطة عن طيب خاطر. فهم يدركون تمامًا أن هذه الخطوة من شأنها أن تعيد ترتيب كل الحسابات السياسية الداخلية في تركيا. ولأنهم عاجزون عن وضع تصورات لمرحلة ما بعد ذلك، فهم يعيشون ارتباكًا كبيرًا.

إضافة “صبر جديد” إلى صبر الأربعين عامًا

لقد منحت تركيا، في الواقع، “فرصة أخيرة”. فإلى صبر دام أربعين عامًا، أضافت صبرًا جديدًا، وفتحت مجددًا المجال لعناصر تنظيم بي كي كي الإرهابي للتخلي عن السلاح، وتفكيك أنفسهم، والتخلّص من دورهم كأداة لتنفيذ حسابات الغرب في القرن العشرين. هذه المرة عليهم أن يقرروا. وإذا لم يُحسنوا قراءة الفرصة مجددًا، فإنها لن تتكرر مرة أخرى.

العالم كله تابع بدهشة مشاهد قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوبيخ وطرد الرئيس الأوكراني زيلينسكي من البيت الأبيض. الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا وتجاوزتا أوروبا. كل قادة أوروبا اتخذوا موقفًا ضد أمريكا، وتحطم المحور الأمريكي الأوروبي الذي كان يُظن أنه لا يُقسم. وسوف نشهد أمثلة أكثر رعبًا من هذا في المستقبل.

يتم الاستيلاء على دول، فماذا عن المنظمات؟!

في عالم كهذا، حيث تُفتح جبهات جديدة غير متوقعة، ويُتحدث عن حرب أمريكيةأوروبية، وفي وقتٍ باتت فيه تركيا أملًا جديدًا لأوروبا، لم يعد هناك مجال للعاطفة أو المجاملات.

أما أولئك الذين ما زالوا يتعاملون بمنطق الحسابات الصغيرة، ويقبلون بدور اللاعب الصغير، فسوف يُدفنون تحت الأرض، وسيكون ذلك نهاية التاريخ بالنسبة لهم. سيُسحقون في خضمّ الصفقات الكبرى.

إذا حاول تنظيم بي كي كي الإرهابي والعناصر التابعة له إيجاد أدوار ومهمات جديدة لأنفسهم في هذا العالم المتغيّر، فستكون نهايتهم حتمية. لن يُسمح لهم أبدًا بالوجود في هذه الجغرافيا.

في عالم يُستولى فيه على دول كاملة، وتُفتح فيه الأبواب للاستيلاء على شركات متعددة الجنسيات، فلن تكون التنظيمات الإرهابية سوى لقمة صغيرة في هذا الصراع الكبير.

العديد من الدول والأمم ستواجه اختبارات عظيمة. اللعب الصغير انتحار…

تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان الأخيرة، من وجهة نظري، تضع خارطة الطريق للمستقبل بشكل واضح للغاية. فإذا لم يُستغل “الفرصة الأخيرة” هذه، وإذا أُسيء استخدامها، أو استُخدمت كأداة للمساومة، أو إذا تم السعي في معادلات جديدة ضد تركيا، وإذا فُسرت هذه “الفرصة الأخيرة” على أنها ضعف من تركيا، فإن عملية تدمير كبرى ستنطلق.

لماذا؟ لأن هذا التصميم لا يُظهر فقط فيما يتعلق بالإرهاب أو بمنظمة بي كي كي وعناصرها. لقد دخلنا عالماً جديداً، بحيث إن العديد من الدول والأمم سيكون عليها أن تخوض حروباً واختبارات تصل إلى حد الانتحار لكي تضمن مكاناً في المستقبل.

أنتم تظنون أن هذا الأمر ينحصر في أوكرانيا فقط. لكنه ليس كذلك. فهناك اختباراً تاريخياً هو الأصعب يقترب من أمم بأكملها. وفي هذه المرحلة، سيشهد العالم مساومات كبرى بين القوى العظمى. أن تبقى صغيراً أو أن تلعب دوراً صغيراً معناه سيتم سحقك. هذا هو شكل العالم الجديد.

“نُبقي قبضتنا الحديدية جاهزة”

ماذا قال الرئيس أردوغان: “إذا لم تُنفذ الوعود، وإذا تم اللجوء إلى أساليب التسويف والتلاعب والتغييرات الشكلية في الأسماء مع الاستمرار على نفس النهج، فإن الذنب لن يكون علينا. نحن نُبقي قبضتنا الحديدية على أهبة الاستعداد!” “وسنواصل عملياتنا الجارية حالياً حتى القضاء على آخر إرهابي، وإن لزم الأمر، سنُزيل كل حجر ونُسقط كل رأس. وعندما نُحقق هدفنا بـ’تركيا خالية من الإرهاب’ بكل عناصره من مرحلة الإمكان إلى مرحلة التحقق، لن يستطيع أحد الوقوف في وجه هذه البلاد.”

وعندما قال: “لن يستطيع أحد الوقوف في وجهنا”، لم يكن يقصد التنظيمات الإرهابية فحسب، بل كان يشير إلى جميع القوى العالمية القائمة اليوم، مدركًا أن أبواب عصر الإمبراطوريات قد فُتحت من جديد. سواء أكانت أوروبا، أم الولايات المتحدة، أم أي قوة أخرى تخطر في البال، فهي كلها ضمن ما قصده.

ليست هدنة.. بل حل نهائي. مجدداً نفس المراوغات، نفس المسرحية…

لكن حتى الآن، الإشارات التي تصل من منظمة بي كي كي الإرهابية وعناصرها تدل على أن دعوة “اتركوا السلاح وذوبوا أنفسكم” ستُستغل مرة أخرى. إنهم يواصلون التفاوض في سوريا مع إسرائيل والدروز. ويلجأون إلى المناورات في قنديل.

يُطلقون رسائل ناعمة لإضاعة الوقت على تركيا. تظهر تكتيكات كسب الوقت، والاستغلال، وانتظار التعليمات من إسرائيل والولايات المتحدة.

لقد أعلنوا قرار “وقف إطلاق النار”، بينما في الحقيقة لا يوجد شيء اسمه هدنة. بل هناك مطلب بتسليم السلاح وحلّ التنظيم. أما تنظيم “واي بي جي”، فقد صرّح بأن “الدعوة لا تشمل الموجودين في سوريا”. إنه نفس المسرح مجدداً. إنها الفرصة الأخيرة. لكن يبدو أنهم لم يفهموا هذه الفرصة، ولا مدى جدية تركيا.

لقاء بهجلي دميرطاش: المسألة تتجاوز الإرهاب…

اتصال دولت بهجلي بزعيم حزب الشعوب الديمقراطي السابق صلاح الدين دميرطاش، وزيارة دميرطاش لزوجته في المستشفى، والتأكيدات التي يكررها الرئيس أردوغان في كل خطاب، كلها تشير إلى أن “الدولة” لا تزال لديها خطوات أخرى ستتخذها.

ورغم أن الرأي العام يدعم هذا التوجه “بصمت”، فإن من الواضح أن تركيا تبني الكثير على هذا الملف، داخلياً وفي عموم المنطقة.

من الواضح أن القضية ليست “الإرهاب”… لم يعد هناك شيء اسمه مكافحة الإرهاب

ما يجري ليس مجرد تصفية لتنظيم، بل هو جزء من صراع قوى، تُحاك فيه خريطة جيوسياسية بخيوط دقيقة، وتُحسب فيه معادلات دقيقة للغاية.

ما الذي يتضمنه هذا الحساب؟ في هذه المعادلة هناك إسرائيل، وسوريا، ولبنان، والعراق. وهناك جغرافيا شاسعة تمتد من آسيا الوسطى إلى شرق إفريقيا. وهناك “طاولة مفاوضات” مرتقبة مع الولايات المتحدة، ونموذج جديد للعلاقات مع أوروبا. هناك البحر الأسود، والبحر المتوسط، والخليج، والبحر الأحمر.

وهذه المعادلة تضم السلاجقة، والعثمانيين، وتركيا، وتضم مشروعاً لمستقبل عظيم… هناك “حقبة نهوض جديدة” بدأت بعد مئة عام من انهيار الدولة العثمانية.

“لن نُبقي حجراً على حجر، ولا رأساً على كتف”… فقد فعلت الإمبراطوريات هذا أيضاً.

تشمل هذه المعادلة السياسة الداخلية، والبعد الأمني الذي تم التخطيط له بدقة ليُشكل ضغطاً على الداخل. هناك من يستمدون قوتهم من الإرهاب، ويعتمدون عليه للوصول إلى الزعامة السياسية.

ويبدو أن تركيا تُهيّئ نفسها لـ”إعادة ضبط شاملة” تسبق انطلاقتها الكبرى المقبلة، وقد عقدت العزم على تنفيذها دون تراجع، مهما بلغ الثمن.

تركيا خالية من الإرهاب ستتحقق إما بتفكيك تنظيم بي كي كي وعناصره أنفسهم، أو بوسيلة “لن نُبقي حجراً على حجر، ولا رأساً على كتف”.

عن الكاتب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *