اخبار تركيا
تناول مقال للكاتب والباحث الفلسطيني سعيد الحاج، التحولات السياسية والأمنية والإقليمية التي جعلت تركيا تقف، مع نهاية عام 2025، على مشارف حل تاريخي للمسألة الكردية، داخليًا وعبر امتداداتها الإقليمية في العراق وسوريا.
يرصد الكاتب تطور المسار من المواجهة العسكرية الممتدة لأربعة عقود مع حزب العمال الكردستاني، إلى مرحلة تفكيك المشروع المسلح سياسيًا وأيديولوجيًا، مستعرضًا أدوار أنقرة ودمشق وواشنطن، وموقع «قسد» في المعادلة الجديدة، إضافة إلى التحديات القانونية والأمنية المتبقية.
كما يناقش الحاج فرص نجاح المسار الحالي، وحدود المماطلة، ولماذا تنظر أنقرة إلى عام 2026 بوصفه عام الحسم النهائي لهذا الملف المعقّد. وفيما يلي نص المقال الذي نشره موقع الجزيرة نت:
ختمت تركيا عام 2025 باستقرار داخلي، وتحسن بعض مؤشرات الاقتصاد، وزيادة النفوذ الإقليمي، فضلا عن وصولها لمشارف حل المسألة الكردية، داخليا وإقليميا.
المسألة الكردية
كافحت تركيا لأربعة عقود حزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية لخوضه حربا انفصالية ضدها، بفاتورة باهظة بشريا واقتصاديا، قدرت بـ 40 ألف إنسان وما يصل لـ 500 مليار دولار.
كانت أكثر المحاولات جدية وأوفرها حظا لحل المسألة مسار التفاوض مع “الكردستاني” الذي قاده جهاز الاستخبارات ابتداء من 2009، والذي وصل عام 2013 لأن دعا مؤسسه عبدالله أوجلان لوقف العمليات ومغادرة المسلحين تركيا. بيد أن إعلان الإدارات الذاتية “الكردية” في الشمال السوري في 2014 ساهم في فشل المسار والعودة عنه.
الآن، وفي السنوات الأخيرة، باتت التطورات والأوضاع الإقليمية تميل بشكل واضح لمصلحة تركيا وليس العكس، جنبا إلى جنب مع إستراتيجية مكافحة الإرهاب التي حققت نجاحات ملموسة خلال السنوات الأخيرة.
بدأ المسار الحالي لحل المسألة الكردية الداخلية مع دعوة مفاجئة لحليف أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي في أكتوبر/تشرين الأول 2024، بأن يعلن عبد الله أوجلان، زعيم “الكردستاني” المعتقل منذ 1999، حل الحزب ووقف العمليات الإرهابية ضد تركيا.
جاء التفاعل سريعا بقبول أوجلان ضمنا الدعوة، بما أوحى بمسار متقدم أفضى لها، وندائه للعمال الكردستاني لحل نفسه وإلقاء السلاح. أعلن الحزب وقف العمليات ضد تركيا، ثم أعلن مؤتمره العام في مايو/أيار الفائت حل الحزب وانتهاج العمل السياسي السلمي. كما بدأ مسلحو الحزب في يوليو/تموز الماضي بتسليم أسلحتهم عبر فعالية رمزية حرقوا خلالها بندقياتهم في شمال العراق.
خلال هذه المدة، تعددت زيارات حزب المساواة وديمقراطية الشعوب “الكردي” لأوجلان في سجنه، ونشرت رسميا رسائل الأخير المنتقلة عبر الوفود. ثم شكل البرلمان التركي لجنة من مختلف الأحزاب (لم يشارك فيها بعضها) لمتابعة مشروع “تركيا بلا إرهاب”، وهو الاسم المعلن رسميا في تركيا على المسار الحالي.
المنتظر والمتوقع رسميا في 2026 هو المسار القانوني ال بالمشروع. والمقصود هنا حزمة من التشريعات والقوانين الة بعدة ملفات، في مقدمتها كيفية التعامل مع المسلحين الذين انضووا تحت راية المنظمة حتى الآن: من اشتركوا في عمليات مسلحة ومن لم يفعلوا، ومصير أوجلان الذي يطالب أنصاره بإخراجه من السجن لإقامة جبرية منزلية مثلا.
فضلا عما يمكن تصنيفه كامتداد للإصلاحات الداخلية الة بالأكراد التي نفذ العدالة والتنمية سابقا الكثير منها وتحديدا لما يلي الإدارات المحلية (البلديات) والحقوق الثقافية واللغوية وما أشبهها.
ما زال يقف أمام مسار الحل الحالي عدة عقبات قد تشكل تحديات عملية، من قبيل عدم موافقة كل تيارات التنظيم على المسار وخطواته التي حصلت حتى اللحظة، واشتراط خطوات محددة من قبل الدولة التركية، فضلا عن احتمال حصول أي تطورات أو تدخلات خارجية يمكن أن تؤثر سلبا.
لكن المسار الحالي قد تقدم كثيرا سياسيا وإعلاميا وعمليا، ويحظى بتأييد ملحوظ، ما يصعب كثيرا إمكانية النكوص عنه هذه المرة، ويشيع جوا من التفاؤل بنجاحه ومآلاته.
العراق وسوريا
اتخذ التنظيم من جبال قنديل في شمال العراق معقلا له ومنطلقا لعملياته ضد تركيا. بعد فشل المسار الأخير، وإعلان “الكردستاني” إدارات ذاتية في مناطق ذات أغلبية كردية في تركيا، خاضت السلطات التركية في 2015 حرب مدن ضده، وأفشلت مشروعه وأخرجته من أراضيها.
وبعد الانقلاب الفاشل صيف 2016، انتهجت الدولة إستراتيجية الحرب الاستباقية و”تجفيف الإرهاب في منابعه”، من خلال سلسلة عمليات “المخلب”، التي وجهت ضربات قاسية للمنظمة الانفصالية، وحصرتها في هامش ضيق، فضلا عن عمليات أخرى ضد معقلها الثاني في العراق: سنجار.
في مارس/آذار 2024، أعلن العراق أن حزب العمال الكردستاني منظمة محظورة، إثر مسار من الحوار والتعاون بين بغداد وأنقرة بخصوص ملف مكافحة الإرهاب، ما زاد من عزلته. ثم جاءت الضربة الأخيرة من أوجلان نفسه الذي لم يكتفِ بالدعوة لوقف العمليات، وإنما قدم ما يشبه المراجعات الفكرية والسياسية الجذرية التي نسفت الأساس الأيديولوجي الذي تقوم عليه الهجمات.
وفي سوريا، كانت تركيا قد شنت عدة عمليات عسكرية في الشمال السوري بعد إعلان الإدارات الذاتية عام 2014، أولاها في 2016 وهي عملية درع الفرات، وما زالت حتى اللحظة تلوح باحتمال شن عملية إضافية.
نجحت العمليات التركية في إبعاد الخطر عن الحدود، ونسف مقومات إنشاء “دولة” أو ما تسميه أنقرة “ممرا إرهابيا” في الشمال السوري من خلال قطع التواصل الجغرافي بين “الكانتونات” وسد طريق البحر عليها، واستمرار استهداف قياداتها ومراكزها، لكن الدور الأميركي دعما وتسليحا وتدريبا وغطاء منح قوات سوريا الديمقراطية “قسد” فرصة البقاء حتى اللحظة.
قبل عام من الآن، تلقت “قسد” الضربة الأقسى في مسارها، بعد سقوط نظام الأسد، وبالتالي سحب الذريعة التي كانت تتسلح بها، وهي الحاجة لها في مكافحة تنظيم الدولة “داعش”، والذي يفترض أن تتكفل به الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية والأمنية الرسمية.
الأهم والأخطر بالنسبة لـ “قسد” هو الإشارات التي تواترت عن تغير الموقف الأميركي منها، وخصوصا أن ترامب ليس متحمسا لبقاء قواته في سوريا، وسبق أن قرر سحبها وبالتالي ترك “قسد” لمصيرها في رئاسته الأولى في اتصال هاتفي مع نظيره التركي، قبل أن يتراجع جزئيا عن ذلك تحت ضغط المؤسسات الأميركية.
اليوم، يعيد ترامب نفس الموقف، ويكرر بعض مسؤولي إدارته حرصهم على وحدة سوريا جغرافيا وسياسيا وإداريا، فضلا عن العلاقات الشخصية الجيدة بين ترامب وأردوغان، حيث يستثمر الأخير التنامي الملحوظ في ثقل بلاده الإقليمي مؤخرا وهو ما لا تخطئه عين واشنطن.
المحطة الأكثر دلالة كانت الاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية كل من سوريا، والولايات المتحدة، وتركيا في واشنطن، خلال زيارة الرئيس السوري للأخيرة ولقاء ترامب، حيث عُدَت دعوة هاكان فيدان للقاء والحديث عن آلية ثلاثية “لمتابعة قرارات الرئيس ترامب” كمؤشر واضح على مسار محدد بخصوص “قسد”.
استشعارا لكل ذلك، وقعت “قسد” في مارس/آذار من العام الفائت اتفاقا مع القيادة السورية لدمج قواتها في المؤسسة العسكرية، على أن يكون سقف ذلك نهاية العام 2025. لكنها بعد ذلك أكدت مرارا على فكرة اللامركزية، وعقدت مؤتمرا خاصا بذلك، وماطلت في تنفيذ الاتفاق، الذي انتهى 2025 دون أن يرى النور عمليا.
اليوم، ثمة محادثات جديدة بين دمشق و”قسد”، وأحاديث عن اتفاق معدل قد يصار إليه بين الجانبين لتجنب أي سيناريوهات مواجهة، لكن الأفق ما زال غير واضح في ظل تمنع “قسد”.
في ظل كل ذلك، تكرر أنقرة رؤيتها التي تقول بضرورة حل المسألة الكردية في تركيا وخارجها بما يشمل سوريا، وإلا بقي المسار منقوصا ومهددا بالفشل. كما تؤكد هدفها/مطلبها بحل “قسد” ودمجها بالكامل مع المؤسسات الرسمية السورية، وبالتالي التأكيد على وحدة الأراضي السورية ووحدة المؤسسات ورفض اللامركزية، وتكرار الدعم المطلق لدمشق في هذا المسار.
وهنا، لا تترك تركيا المجال مفتوحا للتكهنات، فهي تؤكد أنها مع حل المسألة سوريًا وبالحوار، من خلال تطبيق اتفاق العاشر مارس/آذار، أو أي اتفاق شبيه أو معدل.
لكنها في الوقت ذاته تحذر من مماطلة “قسد” ومحاولتها كسب الوقت والمناورة في المواقف والرهان على متغيرات أو تطورات هنا أو هناك. ولذلك تعلن أنقرة رسميا دعمها أي قرار تتخذه دمشق لحل هذه المسألة، في إشارة لمواجهة “قسد” بالقوة إن اضطرت لذلك، فيما تبقي في يدها خيار التحرك العسكري من جانب واحد، إن لم يبقَ غيره مع إدراكها التعقيدات والتحديات التي تحيط به.
في المحصلة، ليس أمام “قسد” الكثير من مساحات المناورة فخياراتها باتت محدودة جدا. نظريا أطاح عبد الله أوجلان بأسس المشروع الإقليمي الأيديولوجية والفكرية، وقانونيا مؤسسات الدولة السورية هي المسؤولة عن متابعة ملفات “تنظيم الدولة”، وسياسيا لا صحة لادعاء “الأغلبية الكردية” في مناطق سيطرتها، وعسكريا لا قبل لها بتحالف أنقرة ودمشق في حال المواجهة العسكرية، ولا سيما إذا ما تخلت عنها واشنطن.
وعليه، تنظر تركيا لعام 2026 على أنه عام الحل للمسألة الكردية في داخل تركيا وفي المنطقة عموما، وتحديدا في سوريا. تأمل بذلك، وتعمل عليه، ولا تريد أن يكون ثمة مماطلة أبعد من العام الجاري، بما في ذلك استعدادها لجميع السيناريوهات المحتملة.
